الفضل للي جامعنا.. الفضل للمرحوم: الشخصية السلطوية في الإنتخابات البلدية

لو خضت البحر لخضناه معك
لو خضت البحر لخضناه معك

اجتاحت منذ حوالي الأسبوعين صور المرشحين والشعارات السياسية اللوحات الإعلانية المنتشرة على الطرقات. لوحات إعلانية اعتادت الترويج للمنتجات الاستهلاكية من وجبات سريعة وفوط صحية وسيارات دفع رباعي من دون دفعة أولى.

كلما ابتعدنا عن العاصمة بيروت أو المراكز السكانية الأساسية، إنخفض مستوى الدعاية الإنتخابية والإنفاق عليها حتى يخيّل لنا في بعض الحالات أن اليافطة هي مزحة أخذها المرشح على محمل الجد. في بلدة بيت شاما البقاعية تعلو صورة لمرشح طاعن في السن يجلس على كنبة ويظهر على جسده التعب، وتحت صورته عبارة “لو خُضت بنا البحر خضناه معك”. وإذ بك تضحك ثم تخاف عليه وعلى ناخبيه في حال قرر المرشح للمقعد البلدي أن يشتري مركباً ويخوض البحر. واللافت هنا أصل عبارة “لو خضت بنا البحر” وهي لسعد بن معاذ، أحد صحابة نبي المسلمين محمد، والذي كان يوجه كلامه الى محمد.

الشخصية السلطوية

هكذا يتم الدفع بالمرشح الى أعلى درجات القيادة: النبي-المخلص، بدل أن يقوم بواجبه ويخلّص المعاملات. نستذكر هنا شعارات دعائية سياسية مرت على لبنان في العقدين الماضيين: الشعار الأول هو “من فرح الناس عرفنا إنك جايي عرفنا مرفوع الراس” والذي مرّ كأغنية أداها ملحم بركات بعد انتخاب أميل لحود رئيساً للجمهورية عام 1998. كان المقصود من هذه الأغنية إيصال فكرة للمسيحيين في لبنان أن زمن ما كان يعرف ب “الإحباط المسيحي” (الخوف، القلق، الشك، اليأس وغياب الزعامات المسيحية) قد ولّى وأن حقبة جديدة ستحلّ مع مجيء أميل لحود. هذا الخلاص لا يمكن أن يحدث من دون ظهور المخلص الذي “سيسلمه” الناس القيادة ويأتمنونه على مستقبلهم. (تجدر الإشارة الى أن أحد المرشحين عن المقعد البلدي في عين الرمانة لا يزال يستخدم نفس شعار “من فرح الناس عرفنا” عام 2016.)

نكتشف إذاً أن الطريق من الإحباط الى الخلاص تمر بالقائد. ولكن ما العمل إذا غاب (أو غُيّب) القائد؟ الحل يكمن في نقل الأمانة الى قائد آخر كما هي حالة حركة أمل و”حامل الأمانة” نبيه بري بعد اختطاف موسى الصدر عام 1978. وفي حالة أخرى، نحافظ على صورة القائد في نفوس مناصريه كما هي الحال بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري مع أغاني وشعارات مثل “لا ما خلصت الحكاية” و “يا رفيق اللي بعدك معنا \ رح يبقى حلمك يجمعنا”. الرسالة المرجو نشرها هنا هي التأكيد على التوحد خلف القائد ووريثه (الضعيف) حتى بعد موته وأن أي تغيير في الخط السياسي هو فعل خيانة.

ويمثل هذا القائد دائماً صورة الأب: هو الأب الذي نتنازل له عن حريتنا على أن يقدم لنا مقابلها الحماية والشعور بالأمان. هي “السلطة الأبوية” التي، رغم إصرارنا على التحرر منها، نعود لنتمسك بها، لنستنسخ في نفوسنا مجدداً شخصية سلطوية. (Authoritarian Personality)

وفي حال غاب الأب (البيولوجي)، يبحث الطفل من حوله عن صورة الأب في أخيه الأكبر أو في معلم المدرسة او في شخصية تلفزيونية. وإذا غاب الأب (الزعيم)، تبحث الجماعات عن صورة الأب في زعيم آخر، او في تكافلها وتظامنها بين بعضها البعض في انتظار المخلص. وقد يسأل البعض هنا كيف يمكن استبدال “الأب القائد” ب”التكافل والتضامن الإجتماعي”؟ والحقيقة هي أنه وكما اوضحنا سابقاً، فإن صورة الأب هي صورة السلطة، النظام الإجتماعي، الأمان، نقيضة الفوضى والشك واليأس والقلق. وبذلك، وبعد غياب القائد، تسمو (transcend) الجماعات الى قوة جديدة تتمثل بالتضامن الإجتماعي الذي سيلغي الشك والقلق، كما كانت حال اولى الجماعات المسيحية التي تحملت الإضطهاد بعد صلب المسيح (القائد). وهي القوة نفسها التي قام “لوثر” و”كالفين” باستغلالها بين فئات الطبقة الوسطى والفلاحين في اوروبا خلال الحقبة الإصلاحية لإحداث تغيير في هيكلية المجتمع المسيحي.

 

 زحلة أمانة المرحوم

تستقبلك على مدخل مدينة زحلة لافتة تحمل صورة زعيم الكتلة الشعبية الراحل الياس سكاف، مذيلة بعبارة “حافظوا على زحلة”.  يمكن القول أن الحملة الدعائية للائحة “زحلة الأمانة” هي من أكثر الحملات علماً بمخاوف الناخبين وديناميتهم النفسية. هي حملة حساسة لفترة حساسة من تاريخ هذه السلطة العائلية التقليدية.

كان الياس سكاف سياسياً لبنانياً معروفاً له نفوذ واسع في زحلة وقرى البقاع الأوسط. دخل الياس سكاف العمل السياسي عام 1992 كوريث لوالده جوزيف سكاف الذي توفي عام 1991. توفي الياس سكاف عام 2015 واعتُبر الحشد الشعبي الذي شارك في جنازته شكلاً من أشكال “البيعة” والإلتزام بالخط السياسي نفسه بعد وفاة “البيك”. لم يكن هناك وريث فعلي لـ الياس سكاف. فإبنه، أو ولي العهد، لا يزال صغيراً في السن، ولا يمكن لأرملته (المرأة) أن تكون زعيماً في مجتمع تقليدي عائلي.

تُمثل الإنتخابات البلدية الحالية أول اختبار حقيقي لقوة آل سكاف وتماسك قاعدتهم الشعبية. وهذا الإختبار هو الأول من نوعه بعد نفوذ امتد منذ عام 1955 حتى عام 2015. ونظراً لغياب “الزعيم” كان هناك ضرورة لحملة دعائية غير اعتيادية. حملة تركز على صور المناصرين بدل صورة الزعيم.  فعلى كل لافتة، تظهر صورة لشخص يفترض أن يكون من أبناء مدينة زحلة، وإلى جانبه “رسالة” تدعو القارئ الى اختيار لائحة “زحلة الأمانة”. تتنوع الصور بين الشاب والشابة والرجل والمرأة العجوز المجهولين سابقاً والذين أصبحوا اليوم الوجه الرئيسي للحملة الإنتخابية.

الحملة الدعائية الخاصة بلائحة "زحلة الأمانة"
الحملة الدعائية الخاصة بلائحة “زحلة الأمانة”

نستنتج أن المحرك الأساسي لحملة “زحلة الأمانة” هو إعادة فرض النظام الإجتماعي. ولكن كيف يتم الإلتزام بهذا النظام الإجتماعي الذي كان يمثله الياس سكاف؟ يتم ذلك من خلال التأكيد على التبعية لهذه المجموعة المتحدة من دون زعيم. ويتم الدفع بإتجاه هذه التبعية من خلال تعابير تستهدف شعور الذنب لدى الفرد: “زحلة الأمانة” (بمعنى أن لا تفرط بأمانة الياس سكاف وهو لم يغب)، “زحلة تاريخ مش ممكن ننسيه” (بمعنى أن لا تنسى الياس سكاف)، و “حافظوا على زحلة” (بمعنى أن الياس سكاف وضعكم في موقع المسؤولية).

الفئة التي تستهدفها هذه الحملة هي الناخبين الذين بدأوا يشككون في القائد بعد وفاته وبقدرته على إعطائهم شعوراً بالأمان. إنها حملة ضد الشك والقلق، سلاحها الشعور بالذنب، وهدفها إستعادة سلطة “البيك” الأبوية والنظام الإجتماعي السائد منذ أكثر من 60 عاماً. فكما يشير شعار الحملة: “زحلة أمانة”… والتصويت للحملة سيشعرك بالأمان.

في النهاية نتذكر أن اللوحة الإعلانية هي وسيلة إتصال من جانب واحد فقط: هي تسمح لمن يملك المال (شركة، حزب سياسي) بأن يروج لفكرة أو سلعة ولكنها لا تسمح للمتلقي (مستهلك، ناخب) بأن يعبر بنفس وسيلة الإتصال. يتوجب على المتلقي الردّ على الرسالة الموجهة إليه إما بالتصويت في الإنتخابات او بشراء السلعة عند زيارته المقبلة للسوبرماركت. والنتيجة؟ حملات سياسية تديرها شركات تسويق تعرف عن الفرد ما يجهله عن نفسه، فتدفعه الى إتخاذ قرارات يحركها شعور الخوف من المجهول والذنب تجاه المرحوم.

سؤال: لماذا لا يتخلى الناس عن الزعامة أصلاً؟
جواب: لإنهم يخافون من الحرية.

1٬474 مشاهدة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *