لولا زحمة بيروت

ساعة من اجل بضعة كيلومترات

 

بعد ان انهى دراسته الثانوية في بلدته البقاعية، قرر احمد، وبمباركة عائلية، النزول الى العاصمة. هناك تشكيلة الجامعات اوسع، ومستوى التعليم الجامعي افضل. لم يكن يعرف احمد حينها ان “التعليم” في المدينة يعني “التعليم على التلفون” او “التعليم على صباطي” وكثير من التعاليم التي اكتشفها في بيروت.

ولمن ليس ضليعاً في الجغرافيا اللبنانية، تحتاج الرحلة من البقاع الى العاصمة بيروت حوالي الساعة. اي انه من المنطقي لتلميذ كأحمد التنقل لساعة يومياً بهدف الحصول على تعليم افضل. ولكن الرحلة لا تنتهي هنا. فالمسافة القصيرة بين مدخل العاصمة ووصتها، حيث الجامعات والشركات، تحتاج وحدها لساعة اضافية. والسبب هو زحمة السير.

اذاً، بسبب زحمة السير، سيتوجب على احمد قضاء ساعتين صباحاً وساعتين مساءً لحضور صفّه في بيروت. لذلك، كان الحل المنطقي بأن يستأجر غرفة قريبة من الجامعة، على ان يعود كل نهاية اسبوع الى منزل اهله في بلدته البقاعية.

مرّت الأيام وبعد اربع سنوات طويلة حصل احمد على شهادته الجامعية التي من المفترض ان تؤمن له مستقبلاً افضل.  وهو الآن وبمناسبة هذا المقال، يدرس درساً اخيراً من دروس المدينة. موضوعه زحمة السير في بيروت. وقد استنتج حسب تحليله، ان عدوه في تلك السنين الاربعة كان زحمة السير داخل العاصمة.

لولا زحمة السير في العاصمة لكان استطاع احمد السكن في منزل اهله في البقاع وقضاء ساعة وحيدة صباحاً على الطريق للوصول الى جامعته. وبذلك يكون قد وفّر على نفسه حوالي 500 الف ليرة انفقها شهرياً على استئجار غرفة خلال 4 سنوات لتصل الكلفة الى 24 مليون ليرة لبنانية فقط لا غير. هذا من دون احتساب التكاليف التي تطرأ على احمد نتيجة السكن وحيداً.

لولا زحمة السير في العاصمة لكان استطاع احمد الانضمام لعائلته بعد الظهر والاستمتاع معهم يومياً بوجبة ساخنة من تحضير امه. الا ان سكنه وحيداً في بيروت كلّفه حوالي 15 الف ليرة لبنانية يومياً على اقل تقدير لشراء السندويشات او بعض المعلبات.  اي ان احمد تكلّف على زقزقة عصافير بطنه حوالي الـ 400 الف ليرة شهرياً، وهو مبلغ يمكن استثماره بطريقة افضل ضمن كنف العائلة. وعلى كل حال، لم تتوقف عصافير بطنه عن الزقزقة.

لولا زحمة السير في العاصمة، لكان عاد احمد الى منزل عائلته كل يوم. ولكان اشترى احمد حاجياته من دكاكين البقاع ومحلّاتها. لولا الزحمة يا احبائي. لولا زحمة السير وانتقال احمد لبيروت وشراءه لحاجياته من دكاكين بيروت الكبرى، ما كان ابو ربيع ليقفل دكانه في البقاع. وما كان ابو ربيع الدكّنجي لينتقل ايضاً مع عائلته الى شقة ضيقة في ضواحي بيروت للبحث عن وظيفة. وما كان ابو ربيع الدكنجي ليشتري حاجياته وحاجيات عائلته من دكاكين بيروت الكبرى.

لولا انتقال احمد طالب العلم، وابو ربيع طالب العمل، وعائلة ابو ربيع طالبة لقمة العيش، وغيرهم من ابناء المناطق النائية الى بيروت، لما كانت ارتفعت الايجارات واسعار الشقق في بيروت ولما وصل سعر الشقة في ضاحية بيروت الجنوبية الى نصف مليون دولار. ولولا “عجقة” احمد وغيره من “المواطنين” لما كانت زحمة السير لتتنامى اصلاً كالوحش التي تفوح منه رائحة التلوّث.

يقطع احمد تسلسل الافكار في رأسه ويسأل نفسه متى بدأت هذه الزحمة بالظهور في العاصمة؟ لا يمكنه ان يجيب بتاريخ محدّد. الا انه يتذكّر بعض الاحداث التي حصلت حين كان طفلاً او حتى قبل ان يولد وقد تكون مرتبطة بزحمة السير. يتذكّر ان اهل الجنوب تهجّروا وانتقلوا الى ضواحي بيروت منذ الستينيات بسبب الاحتلال الاسرائيلي. يتذكّر ان في تلك الحقبة ايضاً انتقل اخرون من ابناء الوطن الى ضواحي بيروت الغربية كما الشرقية بحثاً عن لقمة العيش.

وحتى مع انتهاء الحرب الاهلية والعودة الى كنف الدولة (او بالأحرى كفن الدولة)، زاد النزوح من الريف الى العاصمة. فمع ارتداء قادة الميليشيات الكرافاتات، وحملهم السيغار بدل السلاح، اعتقد اللبنانيون ان اوضاعهم المعيشية ستتحسن بفضل وعود بمشاريع الاعمار واعادة الاعمار والاستثمارات.

الا ان هذه الوعود بقيت حبراً على ورق الا في بضعة كيلومترات مربّعة سمّيت بالـ”سوليدير”. فنزل شباب البقاع للسكن في ضواحي بيروت والعمل في السوليدير وأخواتها. وتنوعت الفرص بين العمل كنادل في مطعم او فاليه باركينغ للسيارات او حارس ليلي لأحدى الشركات التي تنهب هذا البلد.

يتذكّر احمد انه درس عن شيء مماثل في الجامعة. ما يحصل معه ناتج عن تمركز كل شيء في رقعة جغرافية صغيرة. انه عكس ما وقّعه زعماء الوطن في اتفاق الطائف منذ 22 عاماً حين دعوا الى “تطبيق اللامركزية الادارية”. فالواقع الآن هو ان لبنان هو العاصمة فقط. وأن اللامركزية ليست سوى حبراُ على ورق. وأن على الجميع القدوم الى بيروت للعمل في مجال “الخدمات” – ولا شيء غير الخدمات.

يعود احمد بالتفكير الى نقطة السفر: “لو كان هناك جامعة محترمة في البقاع، لما ذهبت الى بيروت اصلاً. وما كنت لأشتري من دكاكين بيروت الكبرى. وما كان اضطر ابو ربيع، بسببي، ان يقفل دكانه وينزح كغيره مع عائلته الى بيروت.”

يستنتج احمد اخيراً انه لم يستنتج شيئاً. لا يعلم اين يبدأ الحل: هل الحل يكمن في تحسين المواصلات ام في تحسين الجامعات؟ في تغيير السكن او في تغيير النظام؟ في هذا البلد… او في غيره من البلاد؟

3٬443 مشاهدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *