El Boss

مرّت ستة اشهر على زيارة احمد الاخيرة الى قريته. فأحمد، الشاب العشريني، قضى معظم ايام حياته في بيروت. اذ فرضت الدراسة ووظيفة والده ان تكون زيارة القرية فقط في الاعياد او العطلة الصيفية.

صديق احمد الوحيد في القرية هو “البوس” (el boss). ومع ان البوس كان اكبر سناً من احمد، الا ان اطباعهما تشابهت منذ الصغر حتى ولو ظهرت بعض الفروقات بينهما مع مرور الوقت. فلطالما رافق أحمد الخجول صديقه “البوس” الجريء  في عمليات “تنفيس” اطارات السيارات في الحي او التدخين سرّاً خلف احدى الحيطان. مرّت الايام واحمد لا يزال يتابع دراسته الجامعية. اما “البوس”، فاكتفى بشهادة البروفيه وهو يعمل الآن في ورشة حدادة سيارات.

لم تمر نصف ساعة على وصول احمد الى القرية وإذ بـ”البوس” يطلق العنان لزمور سيارته تحت منزل عائلة احمد. ينزل احمد مسرعاً ويقفز داخل السيارة. يتبادل الاثنان التحية مصحوبة بالشتائم المتبادلة: “اشتقنالك يا منيك/ نحنا بالأكتر يا خرى…”

سيقضي صديقا الطفولة فترة بعد الظهر وهما يتجولان في زواريب القرية بسيارة “البوس” وفي ايديهم تنكات البيرة والسيجارة التي لا تغيب في لقاء الاحبّة. تدور الاحاديث لساعات طويلة ولا تتوقف الا مع رفع صوت الموسيقى. وإذ بأحمد يقول:”غريب يا رجل…منذ ان تعرفت عليك وانا اناديك بـ “البوس”. حتى انني لا اعرف اسمك الحقيقي. بوس بي شو انت؟”

يردّ “البوس” ضاحكاً:”بوس الواوا” ويرفع الاثنان رأسيهما لأخذ جرعة بيرة، ثم يركن “البوس” سيارته جانباً ويخفض صوت الموسيقى.

يشعل “البوس” سيجارة ويعود بالذاكرة 12 سنة الى الوراء ثم يشرح:” بدأت القصة حين كنت في العاشرة من عمري. كما تعلم، كنت انا وأولاد الحي لا نعبد سوى اله واحد هو كرة القدم. وكان ملعبنا حينها هو البورة الواقعة خلف محطة الكهرباء المهجورة. وعار على شرفي اذا تغيّبت يوماً عن مباراة كرة قدم. صباح ومسا، تحت اشعة الشمس الحارقة او تحت المطر، خلال فترة الامتحانات الفصلية او قبل 5 دقائق من ساعة النوم، لم يمنعني شيء من ركل الكرة بحذائي “ابو رياح”.

اذكر انني في احد الأيام خرجت من البيت على عجل بعد ان سمعت ان فريق القرية المجاورة اتى ليتحدانا. لم يسمح لي حماسي حتى بأن ارتدي قميصاً يستر مفاتن جسدي. كانت الجائزة حينها قنينة بيبسي حجم ابو جمبو. ومع انها جائزة متواضعة، الا اننا كنا نعتبرها تحفة في يوم حار من شهر آب.

المهم، دعنا من تفاصيل المباراة حتى اجيب على سؤالك. تخيّل معي: انا اركض باتجاه الطابة، والطابة تتدحرج باتجاه المرمى، وعيني على الهدف الذي سيدخلني عالم الشهرة الكروية. وإذ بوالدتي تطلّ من شرفة المنزل وبيدها بلوزة بيضاء صارخة بصوت غاضب: “البووووس البلووووزي…البووووس البلووووزي”.
منذ تلك اللحظة اصبح الجميع ينادوني بـ”لبوس” وثَبُتت التسمية عليّ، وهلق… سوف تسمع”بلوزي”. يضع “البوس” في مسجلة السيارة قرصاً مدمجاً لاسطورة البلوز “بي بي كينج” مطلقاً العنان للموسيقى منطلقاً الى حيث لا يدري.

ما زال احمد لا يعرف اذا ارتدى “البوس” البلوزي، وإذا ربح فريقه قنينة البيبسي. لم يعرف ما الاسم الحقيقي لصديق الطفولة، ولا يعلم حتى هذه اللحظة اذا انتهت حقاً سنين الطفولة.

 

“وأجمل رحلاتنا، في القطار الذي فاتنا.” – كمال خير بك

3٬946 مشاهدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *