ليس بعيداً من سمير قصير

Uruguay-Street-beirut

الزمان: ديسمبر 2010 – أربع سنوات قبيل اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية الثانية.
المكان: شارع اوروغواي الفخم في وسط العاصمة بيروت
يقترب رجل أنيق في ال35 من عمره من مدخل المبنى التجاري حيث تقع محلات “آيشتي” وعلامات الإشمئزاز ظاهرة على وجهه، ثم يصرخ بوجه حارس أمن: “يا بهيم ما فهموك إنو ممنوع التدخين بوقت الدوام؟”

تقع سيجارة من يد رجل نحيف أسمر البشرة أرتجف فزعاً. هو حارس أمن في العقد الخامس من عمره. يجيبه متضرعاً: “سامحني يا معلمي والله هاي اول مرة وآخر مرة”.
يكمل الرجل الأنيق سيره وهو يتكلم بنبرة عالية: “عم تكذب كمان؟ حسابك بكرا، انتو ما بتفهمو بالحكي، بدكن واحد يضل داعس ع رقبتكن.”
وكعلاقة سادو مازوشية، يعلو دعاء الحارس مع إرتفاع مستوى الإذلال والكلام النابي الصادر عن الرجل الأنيق: “سامحني، الله يخليلنا ياك، يا معيّشنا، الله يديمك يا بيك…”
يقترب حارس ثانٍ في الـ 18 من عمره، لا تظهر عليه الشخصية الحازمة او البنية الجسدية القادرة على فرض الأمن، ويسأل زميله الخمسيني: “شو صار يا أبو حسين؟ مين هيدا الزلمة؟”
فيوضح له أبو حسين: “هذا معلمي ومعلمك يا أحمد. صاحب شركة الأمن التي نعمل فيها. إحفظ وجهه منيح، رح تصادفه كتير بهيدا الشارع. بيجي عالبارات الدارجة هون ورا جنينة سمير قصير.
أحمد: قصدك بار أوروغواي؟
أبو حسين: شو بيعرفني، اوروغواي باراغواي، بتحس حالك بالمونديال. كس إختو هالبلد ما يرجع. هلق عم بيقولو بدا تعلق عن جد. واللهي، أنا إبن ال 75 بدي إرجع إحمل سلاح. خلصونا بقا عايشين بذلّ.
أحمد: ما رح تعلق، الأمركان والروس ما بدن ياها تعلق هون. بس خبّرني عن الزلمة، شو إسمو؟
أبو حسين: حضرتو الإستاذ عباس الأسمر. من جماعتنا يعني، ومسؤول بالحركة، بس ما بيحب يظهر بالإعلام. هو يؤمن وظائف لكل شباب المنطقة ورجالها. تربطه صداقة بالنائب الأستاذ علي هزّي اللي أمَن لي الوظيفة هنا.
أحمد: وليش عم تدخن يا أبو حسين؟
أبو حسين: ليش ما بدي دخّن يا “غرينبيس”؟ في أحلى من بحّة أبو وديع، بدي عجّل موتي حتى إرتاح وإخلص من هالدني.
أحمد: لا.. قصدي ليش عم تدخن خلال الدوام، بركي طردك المعلم؟
أبو حسين: الرزق ع الله. رزقتك بتجيك لحالا من عند الله لو شو ما صار. بعد في أسوأ من اللي عايشينو؟ منضل نزبط شي شغلة شي حرتوقة. تاني شي الإستاذ علي هزّي بيضلو حامينا، إلو مونة عالمعلم. فكرك كل ما يجي حدا يعطيني ملاحظة بدي إسمعلو؟
يعود أحمد الى نقطة حراسته على بعد خمسة أمتار ويفكر بما أخبره إياه أبو حسين الذي أرخى وثاق الجزمة ورفع قميصه فوق البنطال. مخالفة قوانين العمل بالنسبة لأبو حسين هي أساليب إنتقام من “المعلم”. ولكنها تصرفات كيدية غير مجدية ولن تأخذ أبو حسين الى أي مكان. بل هي إستنساخ لرب عمله الذي أستحوذ على شركة الأمن عبر التسلط والكذب والخداع. هكذا يتقمص أبو حسين التسلط والكذب والخداع من معلمه (مثاله الأعلى) بدل أن يواجهه ويتمرد عليه. حتى أن أبو حسين أصبح يتصرف بنفس الطريقة مع أفراد عائلته ليكرر كلام “المعلم” على زوجته وأولاده مستخدماً عبارات مثل “يا بهايم، ما بتفهمو بالحكي…”.
يتوجه أبو حسين بالسؤال الى أحمد: وأنت يا أحمد شو عم تعمل هون؟ ليش ما بتتعلملك شي مصلحة حدادة بوية، ميكانيك، مكيفات.. مش أحسن من الحراسة؟
يجيب أحمد: لا، هيدا شغل مؤقت. عم ساعد أهلي شوي حالياً، بس رح أتسجل بالجامعة السنة الجاي وبترك الشغل.
فيقاطعه أبو حسين: وشو بدك تدرس؟
يجيب أحمد: هندسة معمارية.
فيقول أبو حسين بخليط من الإستهزاء والحسرة على ما تخفيه الأيام لأحمد: “أيه الكل بيقول هيك. المؤقت يؤجل المخطط حتى إشعار آخر، بس تبلش بالشغل بتنسى الدراسة. بيجي يوم بتلاحظ أن خمس سنين قطعت وأنت مصلوب بالشارع عم تحرس الباطون والحجر 9 ساعات باليوم، 6 أيام بالأسبوع. وليك ملا وظيفة، لا بتعلمك صنعة ولا فيها خبرة. شغلة اللي ما عندو شغلة. ولحق ع دخان.”
أحمد بقليل من الغضب والإستغراب: “شو قصدك؟ مش مزبوط. خطتي واضحة، وما حدا جابرني اشتغل، ولا حتى أهلي. قلتلك مؤقت.”
يُشعل أبو حسين سيجارة ويشرح لأحمد: شوف يا إبني. أنا كان عندي مصلحة بتسوى كل هالشركة. كان عندي منشرة خشب فيها فوق ال100 عامل بلبنان والسعودية. برمت الإيام وانكسرت الشركة واختلفت أنا وشريكي. ما بقي عندي شي وبدي عيّش عيلتي. ما بقيلي رفيق. الإنسان ما بيسوى فرنك. بس الدني قسمة ونصيب. وشو ما مخبيلك الله سبحانه تعالى بدك تقبلو. الشغلة مش بإيدك. بس لوما الإستاذ على هزّي كنت هلق يمكن انتحرت. هيدي القصة من 5 سنين. وقلت مؤقتاً لكنت رجعت مشيت مصلحتي الأساسية بشتغل حارس. الشغل مش عيب والسترة ضرورية. بترك العالم تحكي إني مش قادر عيّش مرتي وولادي؟ فشرو.
يقف أحمد صامتاً ومستغرباً كلام أبو حسين. هل من المعقول أن هذا الكلام العنفواني يخرج من فم نفس الرجل الذي رد شتائم المعلم بـ “الله يديمك يا بيك يا معيشنا”؟ يحاول التخلص من الأفكار السوداء التي ملأت رأسه كالديدان، يحاول أن يراقب المارة ورواد الحانات علّه يستقي منهم بعض الشعور بالسعادة، فيراهم جميعاً على شاكلة المعلم وأبو حسين. إنسان يستغل إنسان، طباع سلبية تستنسخ بعضها بعضاً، كلام مصطنع، مظهر خارجي مصطنع، مجتمع مصطنع للتعويض عن عقدة نقص وشعور بالذل الدائم الذي يحاولون إخفائه أو رميه رميه على الآخرين.
يدير أبو حسين جهاز الراديو ويقطع حبل أفكار أحمد. يعدّل أبو حسين الموجة ليستمع الى موجز للأخبار على وقع موسيقى أجنبية خفيفة آتية من صوب شارع الحانات:

“إسعد الله مسائكم.. أضرم بائع متجول يدعى محمد البوعزيزي (26 عاما) النار في نفسه بمركز ولاية سيدي بوزيد التونسية، احتجاجاَ على مصادرة شرطة البلدية عربة الفاكهة والخضار التي كان يعيش منها.”

4٬841 مشاهدة

رأيان على “ليس بعيداً من سمير قصير”

  1. “إنسان يستغل إنسان، طباع سلبية تستنسخ بعضها بعضاً، كلام مصطنع، مظهر خارجي مصطنع، مجتمع مصطنع للتعويض عن عقدة نقص داخلي.”

    تبدأ عقدة النقص بالظهور أولا في تخلينا عن كل ما يجعلنا عرب كلغتنا التي ننظر إليها بدونية. مبانينا نلبسها بالحجر او بالألومينيوم لأنه بإعتقادنا ان البناية الفخمة هي ملبسة حجر والبناية المعاصرة هي ملبسة ألومينيوم. نتنكر بسيارة فخمة او بجوال آيفون إعتقادا منا أن هذا ما يجعلنا نبدو أثرياء.
    ورغم كل المشاكل التي أدخلتنا فيها التبعية للغرب ما زلنا لا نفكر قبل تقليدهم وما زلنا عالقين في هذه التبعية العمياء نستورد كل ما “أُنزل” من بلاد الحضارة. لقد أمسينا نسخة فاسدة عن الغرب تفتخر بكل ما لديها من حانات وملاهي ليلية غير آبهين للحالة المزرية التي نحن فيها.

    مقال رائع بالمناسبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *