أول حرب إسرائيلية من دون رقابة إعلامية

الساكت عن الحق - بي بي سي - بريستول
الساكت عن الحق – بي بي سي – بريستول

الإعلام الإجتماعي أنطلق من فلسطين

عام 1972، وفي الوقت الذي كان الملايين يحدقون في شاشات التلفاز لمتابعة افتتاح دورة الألعاب الأولمبية في مدينة ميونيخ الألمانية، نفذ 8 فدائيين فلسطينيين عملية استهدفت الفريق الإسرائيلي المشارك.

حملت العملية توقيع “منظمة أيلول الأسود” وطالبت بإطلاق سراح 234 أسيراً فلسطينياً، بالإضافة الى اندرياس بادر وأولريك ماينهوف (Rote Armee Fraktion). إلا أن الإنجاز الأكبر الذي تحقق في هذه العملية كان جذب أنظار العالم الى قضية الشعب الفلسطيني من خلال استغلال حدث رياضي عالمي، وإيصال رسالة غياب العدالة في هذه البقعة من الأرض وإيصال صوت أهل فلسطين مباشرة ومن دون “فلاتر” أو رقابة إعلامية الى كل مشاهد في العالم. عملية خطف اللاعبين الإسرائيليين في ميونخ وغيرها من عمليات خطفٍ للطائرات كانت الحل الوحيد حينها لمواجهة عمليات “الخطف” المنظمة التي كانت تقوم بها وسائل الإعلام العالمية والحكومات لحجب القضية الفلسطينية عن الرأي العام.

فرض الحدث بضخامته على الوسائل الإعلامية العالمية بث الصور، مباشرة على الهواء. ردد المذيعون كلمة “فلسطين” بكل لغات العالم ولم تتجرأ المؤسسات الإعلامية على قطع الإرسال وتحويل الأنظار بعيداً عن الحدث. انتشر الخبر على كل لسان، وتناقله الناس بين بعضهم، من دون وساطة التلفاز او الراديو او الصحيفة. بذلك كانت هذه العملية الأمنية في الوقت ذاته عملية “قرصنة” للـ”المنظومة” الإعلامية العالمية في أقوى ميزاتها: “النقل المباشر”.

إلا أن جذب الأنظار ولو حتى ليوم كامل لم يكن كافياً وعادت المؤسسات الإعلامية لتفرض رقابتها على الأحداث اللاحقة وتطلق أبواق وأقلام عامليها للترويج “للمنطق” الإسرائيلي حول الدفاع عن النفس في مواجهة “الإرهاب” الفلسطيني.
ما الذي تغير بين 1972 و2014؟

أخذ الإعلام الإجتماعي نسبة كبيرة من “قوة التأثير” من الحكومات، ووضعها مباشرة بين أيدي الشعوب. وحرب غزة 2014 دليل على التغيير الهائل في موازين القوى بين الإعلام الإجتماعي من جهة، والإعلام التقليدي الهرمي الذي كنّا نعول عليه لفهم الحروب من جهة أخرى. فمئات الملايين يحصلون على آخر أخبار غزة الآن من مواقع التواصل الإجتماعي، وليس من قناتي “سي أن أن” او “بي بي سي”.

يقول الكاتب في القناة الرابعة البريطانية بول ماسون: “أصبح بإمكاننا، ولإول مرة في الصراع العربي -الإسرائيلي الوصول إلى المعلومات مباشرة وليس من خلال الوسائل الإعلامية التقليدية. وأصبح بإمكان الجمهور الأميركي الوصول الى مصادر تتعدى التلفزيونات والصحف الأميركية”.
وتشير معظم الأبحاث الى أن فئة الشباب حول العالم ترى في موقع “تويتر” خدمة إخبارية أساسية. فقبل انقضاء يوم الأحد الماضي، حمل كل شخص تابع أحداث غزة نفس التساؤلات حول ما قام به الجيش الإسرائيلي من قتل في حي الشجاعية.

هذا التحول في الوصول الى المعلومة طال المؤسسات الإعلامية التقليدية نفسها، إذ يستخدم الصحافيين الميدانيين “تويتر” لنشر الأخبار السريعة، وهم بذلك يختصرون الطريق ويتحررون من المراحل التحريرية المتبعة لفلترة ما ينقلوه من موقع الحدث. وبدأت المؤسسات الإعلامية مؤخراً تطلب من مراسليها، بالإضافة الى التغطية التقليدية، التغريد مباشرة على حساباتهم الشخصية كجزء أساسي من وظيفتهم. (مثلما حصل مع بعض المراسلين الذين غطوا مباشرة قتل الاطفال الأربعة على شاطئ غزة) وبدل “فلترة” هذه المعلومات عبر مكتب تحريري مسيّس ومأدلج، بات الحكم على المعلومة – التغريدة يحصل من خلال “التقييم الجماعي” الذي يطبقه الشباب من مستخدمي “تويتر” لكل ما يرونه أمامهم على الصفحات الإلكترونية. وأصبح مستخدم الإنترنت العربي قادراً على مراقبة ومحاسبة الإعلام العربي والغربي في تغطيته للأحداث.
ما بعد المعركة…المعركة مستمرة

ليس الهدف ربح المعركة الإلكترونية والإكتفاء بإعلان نصر إعلامي على العدو. بل من الضروري أيضاً الإستفادة من هذه الإنجازات على الأرض، عبر جمع الطاقات والتجمعات الإلكترونية (صفحات وهاشتاغات شائعة) لإستخدامها في الدعوة الى اعتصامات او تظاهرات في الداخل الفلسطيني او حول العالم. وهنا يكمن إنجاز حملات الدعم “الغربية” المناصرة للقضية الفلسطينية والتي استطاعت، بعد ان كسبت المعركة الإعلامية المستمرة، ان تدعو إلكترونياً الى تظاهرات ضخمة في العواصم العالمية. وأتت هذه التظاهرات نتيجة تراكم سنوات من الجهد لحركات المقاطعة ومناهضة التطبيع والجامعات والأكاديميين.

كما يمكن الإستفادة من السيطرة على الجبهة الإلكترونية – الإعلامية عبر استخدامها للترويج لحملات المقاطعة الأكاديمية والفنية والإقتصادية لإسرائيل، والتي تستمر كسلاح فاعل حتى بعد انتهاء العدوان. إضافة الى ملاحقة المسؤولين والصامتين والمتواطئين، على كل صفحة على الإنترنت، حيث لن تنتفعهم حجج “معاداة السامية” أو “فلاتر” ورقابة تلفزيونات ومكاتب التحرير.

هنا يطرح السؤال التالي: هل كان إحتلال العراق ليحصل إذا كان الإعلام الإجتماعي عام 2003 مؤثراً كما هو الآن؟ هل كانت حرب فييتنام لتستمر لعشرين عاماً لو كان هناك مصدر آخر للمعلومات يخبر الرأي العام الأميركي عما يحدث هناك؟
وأخيراً هل الإنتصار في الحرب الدعائية، بداية لإنتصارات من نوع آخر؟

trendsmap #Gaza , London
trendsmap #Gaza , London

 

3٬512 مشاهدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *