مثقفون: من العمود الى الحائط

مارك تانسي

يجمع كثيرون، ومن بينهم مثقفين معاصرين ان “الإنترنت عالم افتراضي. غير واقعي”. ومع ذلك، فهم يتهافتون لنشر نظرياتهم ومواقفهم وتعليقاتهم على مواقع التواصل الإجتماعي، مثل، “فايسبوك” ويغردون على الدوام عبر “تويتر”.

تثبت دلالات “واقعية” أن المثقفين والمحللين هم من يقفون خارج الواقع، حتى قبل ظهور الإنترنت. اذ يقول باحث العلاقات الدولية الشهير، “ستيفن وولت“:

“قد يتوقع المرء من الباحثين الأكاديميين العمل بكدّ على ايجاد حلول عملية لمشاكل عدّة يعاني منها العالم، ولعب دور فعّال في النقاش العام حول السياسة الخارجية، الا ان الواقع مختلف. هنالك تذمّر من ان الأبحاث الأكاديمية هي أبحاث غير مرتبطة بالواقع او غير متاحة لمن هم خارج الحلقات الأكاديمية. ابحاث مكبّلة في دائرة النقاش الفوقي للأكاديميين المهتمين بأنفسهم اكثر من ما يحصل من مشاكل على أرض الواقع.”

 

يشرح وولت، الذي هو بدوره باحث أكاديمي ويصنف من ضمن طبقة النخبة المثقفة، كيف أنه قرر الحصول على دكتوراه في العلاقات الدولية لإعادة ربط الأبحاث الأكاديمية بمواضيع مهمة من واقع السياسة العامة، بدلاً من النظريات، كوسيلة للخروج من “الجدل البيزنطي” بين الأكاديميين، ومن أجل ايجاد فائدة ملموسة من أبحاث “العلاقات الدولية” نفسها.

والحال أن هذا الشرخ بين واقعية طبقة المثقفين وبعدها عن الناس يتفشى بشكل مرضي في عالمنا العربي. فما أكثر المقالات والكتب والمجلدات و”النهضات” حول أزمة المثقف العربي، والواقع العربي والهوية والشعوب والقضايا العربية. وكل ذلك لم يقدّم منذ قرن من الزمن شيئاً لهذا العالم الرازح تحت خطوط الفقر والبؤس والأمية. بل خلق لدى الناس موقفاً سلبياً من نخبة المثقفين وكلمة “مثقف” وتصنيفها.

المثقفون، في منطقتنا العربية، يقيسون نجاح مسيرتهم المهنية بعدد الدراسات التي نشرت بإسمهم في مجلات عالمية تخصصية ولا يقيسون انجازاتهم بحجم مساهمتهم في تطوير مجتمعهم او مدى تأثير هذه الدراسات، ان كانت حقاً مفيدة، عملياً في احداث تغيير ملموس. هم المثقفون أنفسهم الذين يترجّون دور النشر، او يدفعون من مالهم الخاص، لطباعة كتاب لن يقرأه في النهاية الا دائرتهم الضيقة او طلبتهم اجباراً او على “المونة”. ويسعون به الى “حفل توقيع” يتلاقى فيه رفاقهم وزمرتهم بقمصانهم الحريرية وشعرهم الأملس على أنغام اغان لمرسيل خليفة الصوفية. .

كل الناس مثقفون

يقول المفكر الماركسي انطونيو غرامشي في كتابه “دفاترالسجن“:  “كل الناس مثقفون ، لكن ليس لكل إنسان وظيفة المثقف في المجتمع “. وتدل هذه الجملة الى فكرتين:

– اولاً، ان المثقفين الموجودين من حولنا هم طبقة إجتماعية متّصلة بالنظام السياسي، ولها مصالحها وأهدافها، ومن بينها الحفاظ على مرتبتها المتفوقة في المجتمع. وذلك عبر تكريس الواقع الإجتماعي والسياسي السائد بدل المساهمة في تطوير المجتمع وتجديد فكره. فيصبح المثقفون في كثير من الأحيان أداة للسيطرة على المجتمع وإقناعه بالسلطة السياسية الحالية. ورجال الدين هم مثال عن “المثقفين”.

– وثانياً، أن الناس جميعهم يمكن ان يكونوا مثقفين او أن يظهر من بينهم مثقفون، وان يعرفوا حقوقهم وأن يطالبوا بها من دون تنوير طبقة المثقفين او قيادة “الإنتليجنتسيا”.

بل العكس رأى غرامشي ان “تحرير المجتمع يبدأ اولاً بظهور مثقفين نابعين من الطبقات العمالية بدلاً من المثقفين المولودين من رحم السلطة. إلا ان الوقائع أظهرت انه حتى ولو وُلد مثقفون من الطبقات العمالية ومرّوا بفترات نضالية ونشروا كتابات تنويرية تُعنى بالناس ومشاكلاهم، فإنهم ما لبثوا ان تحولوا وباعوا انفسهم طمعاً بالمال والجاه والكتابة في صحيفة هنا أو الظهور على منبر هناك، حتى اصبحت تليق بهم تسمية “الأقلام المأجورة”.

فايسبوك…أعطني حريّتي؟

ومنذ بضع سنوات، توافد المثقفون الى “فايسبوك” لتدوين ما لا قدرة لهم على كتابته على شكل مقالة رأي في جريدتهم.

تخلّى اصحاب الأعمدة في الصحف عن اسلوب كتابتهم الرصين والغني بالمفردات المعقّدة التي تعبّر عن عقلهم المتفوّق و”الجيو- ستراتيجي” ليكتبوا على حائطهم الفايسبوكي موقفهم من حدث أو تصريح سياسي بأسلوب “إنو أنا المنيك والحربوق” و”متل الجحش بطحش طحش ما فارقة معي”. ويهاجمون بعضهم بعضاً من بُعد، كل واحد من “جبهة” حائطه، بسيل من الشتائم البورجوازية، في حين يصفّق لهم المعجبون هنا وهناك.

أمّا اعلاميو التلفزيونات، فنجد ان آرائهم الشخصية مختلفة عن ما يقدّمونه في تحقيقاتهم التلفزيونية. وفجأة يعلنون انشقاقهم عن المؤسسة الإعلامية، بعد سنين من السكوت، فيصبحون بالنسبة للمشاهدين أبطالاً برتبة مثقّف مرهف الاحساس.

من الواضح ان هناك إزدواجية هي أقرب الى “فصام” بـ”الشمسية” في تصرفاتهم. فهل هي ناتجة عن رقابة ذاتية؟ ام هي نتيجة الرقابة المفروضة عليهم من قبل وسائل الإعلام – مصدر رزقهم؟

أذا أردت ان تقول الحقيقة وأن تقول ما تؤمن به، فليس من المفترض ان تتقاضى أجراً. فالأجر يُدفع عندما يُطلب منك ان تكذب أو ان تكون شاهد زور. فلماذا يكتبون على فايسبوك لـ”الجماهير” المفترضة مجاناً وبحريّة، ثم يكتبون في وسائل الإعلام ما هو على الأقل “أقل حقيقة”، ويتقاضون أجراً في المقابل؟، كيف يكتبون في وسيلة اعلامية تضع رقابة على افكارهم ومن ثم يستغلون الانترنت للتحرر من هذه الرقابة؟

أضف الى ذلك رأي الشباب الذين يشاهدون امام حواسيبهم الصراعات والنكايات والشتائم بين المثقفين، والتي تشبه صراع الديوك. فكيف ستكون الأجيال التي تتربى على هكذا نماذج “ثقافية”. وكيف لها ان تكترث بعد الآن بما يقوله الصحافي المرموق هذا او المثقف العنيد ذاك بعد ان شاهدوا بأم العين كيف ان نقاشاتهم هي كأي شخص نعرفه في الحي، من أبو حسين الدكنجي الى نزار الحلاق.

أعزائي النخبة المثقفة، بعد ان انتقلتم من عمود الصحيفة الى حائط الفايسبوك، نتمنّى لكم الركوب على اجمل خازوق. الانترنت، عكس صحفكم وتلفزيوناتكم، لا تحرّكه الأموال والمصالح. الانترنت هو مساحة الحرية التي ولدت لنا. فاتركوا انترنت القرن الواحد والعشرين لنا، وسنترك لكم صحف وتلفزيونات القرن العشرين. فهي قديمة مثلكم، وهي مملّة مثلكم. وتبغي الربح المادي مثلكم. وكما قال رشيد في فيلم اميركي طويل: “ما بقا تحطلي جرايد لا ع تختي ولا تحت تختي…لإنو بيجيبو صراصير”.

6٬170 مشاهدة

رأي واحد على “مثقفون: من العمود الى الحائط”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *