غزوة جاكي: كيف وُلد نموذج مصغر عن الرأي العام في أقل من 48 ساعة؟

jackie chamoun trending
السطور التالية لا تناقش قضية المتزلحة اللبنانية جاكي شمعون. بل هي محاولة لوصف وفهم التفاعل مع هذه الظاهرة على مواقع التواصل الإجتماعي خلال فترة لم تتجاوز 48 ساعة. وكيف جمعت هذه الظاهرة عينة من الرأي العام اللبناني وكيفية تطور المواقف مع مرور الوقت واتساع رقعة النقاش والتداول بين المتابعين.

1- الفعل وردة الفعل

البداية كانت مع انطلاق دورة الألعاب الأولمبية في “سوتشي”، ونبش موقع تلفزيون “الجديد” شريط فيديو لجلسات تصوير رياضيين بينهم 3 لبنانيات، وعنون الخبر بـ”الفضيحة” الموثقة “بالصورة” و “بالفيديو”.
ونظراً للطبيعة “غير التفاعلية” للإعلام التقليدي (التلفزيون، الجريدة،..)، غالباً ما تنتهي المعلومة (الفضيحة) بعرض الخبر، ليستنتج كل فرد موقفاً شخصياً مما شاهده وتستمر الحياة.
طبعاً في حالة الإنترنت أيضاً، فالحياة ستستمر لاحقاً. ولكن قبل أرشفة الخبر ستنتشر على صفحات الإنترنت المزيد من التعليقات والآراء حول الظاهرة.
إذاً، بعد ان فتحت وسيلة اعلامية تقليدية “السيرة” ونشرتها على الإنترنت، انقسم المعلقون على الجبهة الإلكترونية الى مجموعتين: مجموعة داعمة، ومجموعة رافضة لهذا التصرف.

2- إختيار المواقع وحفر الخنادق

تنوعت خلفيات مواقف الداعمين لـ”جاكي” بين إعجابهم بالصور، أو دعمهم للحرية الشخصية، او استنكارهم لمطلب وزير الشباب والرياضة التحقيق مع جاكي لإسائتها لـ”صورة لبنان”.
المجموعة الرافضة لما قامت به جاكي، استند موقفها الى المبرر الأخلاقي، معتبرة ان “التعري هو فعل غير أخلاقي”، ومتمسكة بالطابع “المحافظ” للمجتمع اللبناني، وعدم تناسب التعري مع البيئة الإجتماعية.

3- إتساع رقعة المشاركين وتطور الرأي

ومع انتشار الخبر على مواقع التواصل الإجتماعي، ازدادت أعداد الأفراد المنخرطين في النقاش حول القضية، معبرين عن موقفهم بهدف تحديد الخندق، الذي سيتمترسون فيه. وسيؤدي اتساع رقعة المشاركة الى تنوع أكبر في الآراء وتبرير وشرح اكثر عمقاً للحدث، ليتحول الى “قضية رأي عام” تُلخص او تجسد في إمرأة واحدة قضايا الحرية الشخصية، الحرية الجنسية، وحقوق المرأة في لبنان. حتى اصبحت ميزاناً لمقاربة القضايا وتحديد ما هو أكثر أولية: الانفجارات أو الحريات، الكهرباء أو المهملات، الوظائف أو الفساد..

4- الإنقسام الحاد، المبالغة والمزايدة

يحاول كل طرف التمسك بموقفه والتصعيد في النقاش إذ انه لا شيء ملموس ليخسره في هذه المعركة. يؤدي هذا السلوك الى “مبالغة” ومزايدة في الطرح ما ينتج إنقساماً حاداً يتبادل فيه الطرفين الإتهامات. هكذا يعتبر هذا الطرف انه من الضروري دعم جاكي اذا كنت تؤمن بالحرية الشخصية، وانه عليك ان تتعرى لأجلها اذا كنت مقتنعاً بالقضية. وهذا سلوك متطرف، يُقصد به إحراج الآخرين وإشعارهم بالذنب كوسيلة لدفعهم للإلتزام أكثر في تبني القضية.
إلا ان اللافت في الموضوع أن الطرف المستنكر والمتمترس ضد جاكي، لم يتعدَ كونه مؤسسة إعلامية واحدة نشرت خبراً واحداً فقط، ووزير واحد طالب بـ”التحقيق”، وبعض الأصوات المتفرقة على الإنترنت. في حين ان معظم “الضجيج” صدر من طرف واحد.

نتيجة هذا الإصطفاف، يختار الكثيرون الخروج من خنادقهم والإنسحاب من المعركة. فهم لن يتعروا من أجل جاكي ولن يعطوا القضية “اكثر من حجمها”. وبذلك يتركون الخنادق المتباعدة لمن “يضخم” الأمور ويتعرى من أجلها.

5- الكتلة “الواقعية”

ونتيجة لإنخراط شريحة واسعة في السجال ورفضها للطرفين المتمترسين على أقصيَي الرأي العام، تظهر كتلة هي الأكبر في الوسط. هي الشريحة التي تدعم حرية جاكي ولكن لن تتعرى من أجلها. وهي الشريحة نفسها التي تعتبر ان هنالك أوليات ومواضيع أخرى تستحق ان نتعرى من اجلها أولاً.
وبذلك يسقط “تجسيد” القضايا العامة بشخص “جاكي”، ويصبح من غير الممكن أن ترفع قضية جاكي لواء الحرية والمساواة بالنيابة عن “منال عاصي” او غيرها ممن تُنتهك كراماتهن ويُقتَلن دوماً في هذا البلد.
اذاً، الكتلة الواسعة، التي تبلورت بعد انخراط شريحة واسعة وتطور الآراء والأفكار، هي نداء او طلب عام للعودة الى رشدنا، عودة الى الصواب وسط هذا الضجيج، الذي لم يسمح لنا ان نرى ان جميع المدافعين عن جاكي كانوا مُستفَزين من قبل قلة في السلطة (السياسية والإعلامية) وليس من قبل “اكثرية شعبية”.
مناصرو “جاكي” كانوا مُستفزين نتيجة أوليات وزير للرياضة، وما نشرته وسيلة إعلامية رغم كل ما يحصل في البلد. وهذا الإستفزاز انقلب لاحقاً على مناصري “جاكي” الذين استَفزوا شريحة واسعة من الرأي العام بـ”أولوية” جاكي على منال عاصي والإنفجارات والفساد والكهرباء والأوضاع المعيشية. فشلت جاكي في “تجسيد” قضية، وانحسرت عاصفة المناصرين، ليأخذ مكانها صوت الأكثرية.

…كلام الناس لا بيقدم ولا يأخر؟

يمكننا اعتبار ان معظم القضايا العامة التي يمر بها الرأي العام اللبناني تخضع لنفس المراحل: الفعل (الحدث)، ردة الفعل، حفر الخنادق والمزايدة من دون امتلاك اي قوة فعلية للمواجهة، لينتهي المطاف بشريحة واسعة من الرأي العام تتقبل الواقع وتستكمل حياتها على ما هي عليه في انتظار قضية أخرى.
لا بل يُظهر ذلك ان القضايا التي تستحق اهتماماً مماثلاً هي كثيرة، ومتراكمة ومن دون انتصارات حتى الآن. ربما لأن الإنترنت فتح لنا “المجال العام” الذي يسمح بولادة “رأي عام” حقيقي. إلا أنه لم ينضج بعد ولم يمتلك الأدوات المناسبة للضغط والتأثير فعلياً في المجال السياسي والإقتصادي والإجتماعي.

المشكلة في تكوّن الرأي العام هو أنه ينطلق في معظم الحالات من أجندات تعدها المؤسسات الاعلامية الأساسية، على الصعيد المحلي او العالمي. ولعل قضية جاكي هي من أكثر المواضيع التي يظهر جلياً دور الإعلام في إطلاقها رغم أن الحادثة حصلت منذ 3 سنوات. لذلك علينا أن نسأل: ماذا لو استُعملت هذه السلطة الرابعة (المؤسسات الإعلامية) لإلهاء الناس عن ممارسات السلطات الثلاث (التشريعية، التنفيذية، القضائية) ومواضيع وقضايا أكثر أهمية أو أولوية.
كيف نختار موضوع النقاش التالي؟ كيف نستفيد اكثر من النقاش؟ وكيف نترجمه الى تغيير على أرض الواقع؟ هذا هو موضوع النقاش التالي…

 

3٬208 مشاهدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *