سيغمند فرويد يزور بيروت

sigmund-freud-lebanon-beirut5ampere

السادسة مساءً. بيروت الكبرى.

صوت واحد، آت من مقهى قريب: “موكسي!!!”

ألتفت على عجل لأجد “سيغمند فرويد” يجلس على كرسي في مقهى “الهيبسترز” المعروف بإسم “هربانيستا”، فأرد عليه التحية:

– سيغمند؟ والله ما عرفتك بلا الغليون؟ وين هالغيبة.

– هاها، ايه لاحظت انو الغليون صار too mainstream في بيروت، فصرت عم دخن “سيدارز” كرتون.

– ايه ما إشبا شي الكرتون. والله انبسطت فيك.

– يا هلا بالموكسي! ولا اشتقتلك! رز الله ع ايامك! لوين رايح.

– الله وكيلك بعدني راجع من مظاهرة ضد مجلس النواب الممدد لنفسه.

– ولي بعدك ما تعبت من المظاهرات.

– وحياتك مش عارف شو بدي قول. ضايع ضايع. منذ بضعة أشهر، كنت أشارك في اعتصام وقضيت فيه ساعات عدة الى ان عدت الى شقتي. كنت متعباً مثل باقي الشباب المشاركين في الإعتصام. ومن حيث لا أدري طرحت على نفسي سؤالاً: لماذا لا يمكنني ان اقضي يوم العطلة هذا على الكنبة، أن استمتع بوقتي، وأن لا اقضي وقتي في تظاهرات أشك اصلاً في فائدتها. لماذا عليّ ان اتابع ما يحصل في مصر وسوريا وغيرها من البلاد. أشعر بالتعب النفسي والجسدي. أشك بقدرتي على الاستمرار هكذا. يحق لي أن استمتع بحياتي وأهتم بنفسي أولاً!! معي حق يا سيغمد او لأ؟

.

الهو والأنا والأنا العليا

– شو اشبك يا موكسي سألناك سؤال كتبتلنا جريدة؟ شكلا مأزمة معك كتير. ليك يا موكسي. الواضح ان هناك تصادم حاد في رأسك وهو يبحث عن توافق. عندما قلت لي جملتك: “طرحت على نفسي سؤالاً”، كان “الهُو” يسأل “الأنا العليا”.

– انو دغري فتيتا وبلّشت تحليل نفسي؟ شو أنا وهو؟ قصدك عندي انفصام بالشمسية.

– سأشرح لك: “الهُو” (Id) أو النفس المشتهية، هو مكون افتراضي يحتوي على الغرائز الحيوانية لدى الإنسان (الطعام والجنس) طالبة الإشباع فوراً. و”الأنا” (ego) هي شخصية المرء في أكثر حالاتها اعتدالاً بين الهو والأنا العليا. تقوم بإشباع بعض الغرائز التي يطلبها “الهو”، لكن مع احترام قيم المجتمع والتوافق مع “الأنا العليا”. أما “الأنا العليا”  (super-ego) فهي شخصية المرء في صورتها الأكثر تحفظاً وعقلانية، حيث لا تتحكم في أفعاله سوى القيم الأخلاقية والمجتمعية.

– وما علاقة ذلك بالتظاهر يا سيغمند؟ هل أفهم منك ان “الأنا العليا” تدفعني الى التظاهر ضد البرلمان؟ هل تقصد انني اتلقى أوامر من أطراف أجنبية؟ ما حبيتا منك صراحة.

– شو باك بصلتك محروقة. اسمع! و”الأنا العليا” مثالية وليست واقعية وتتجه للكمال لا إلى اللذة – أي أنها تعارض “الهو” و”الأنا”. واكتشفت خلال ابحاثي أن للأهل دور أساسي في التوجيه والتأثير في بناء هذه الصورة المثالية لنفسك. وهكذا يكافئك “المثالعلى العمل الصحيح بالنسبة لك اخلاقياً. اما الضمير فيعاقبك على الأعمال التي يعتبرها خاطئة.

– يعني المشاركة في تظاهرة تعطيني شعوراً بالرضى، أما التغيب عن التظاهرة فيشعرني بالذنب.

صحيح يا موكسيولكن في بعض الأحيان يمكنك تبرير تغيّبك. كما يمكنك اعتبار أن أخذ 100 الف ليرة وجدتها على الأرض عملاً مقبولاً وليس سرقة. مع أن المبلغ ليس ملكك ولكنك تجهل صاحبه. وهنا تصل الى حلحلة للصراع بين الأنا والأنا العليا. ولكنك ستقع في مأزق اذا أصبح تبريرك متكرراً ومتطرفاً. بالعربي المشبرح بتصير “حرامي”. وفي المقلب الآخر، عندما يكون الفرد ملتزماً بقوة بأخلاقياته ومبادئه (الأنا العليا)، قد يقرر الفرد المخاطرة بحياته وأمنه أو أمن الآخرين من اجل القضية. (إضراب عن الطعام، عنف،..). ويمكن للفرد او للجماعة تبرير العمل المنطقي (او الغير منطقي) للأنا العليا حسب المقياس الذي نضعه له.

.

الشعور بالذنب

– ايه يا سيغمند بس السرقة غير النضال، وفي ظروف بتفرض عليك المخاطرة والعنف من أجل القضية!

– مش مختلف معك يا موكسي. انا أعتبر ان مجمل التربية الأخلاقية تحصل خلال الطفولة، فيواجه المراهق رغباته تحت ضغط الأهل والمدرسة ليصل الى تصرفات تناسب ما تعلّمه.  خذ هذا المثال: كثيرون من أهل اصدقائك الناشطين كانو ناشطين ايضاً خلال فترة شبابهم.. فترة السبعينات. ثورة وحركات تحرر والوطن والإنسان والعدالة الإجتماعية. كانت ايام حلوة. كانت تلك الفترة مليئة بالأحداث التي تدفع المرء الى النشاط العام.

– ايه والله كانت ايام حلوة والموسيقى والصبايا أحلى بس ما طلع من أمرو شي هيداك الجيل.

– ايه ع اساس انت طالع من أمرك. هاهاع. هل تعلم ان دراسة أظهرت ان الابناء الاميركيين، الذين كان أهلهم ناشطين ضد الحرب في فييتنام، أصبحوا ناشطين ضد حرب الخليج عام 1991؟ صدفة؟ لا! الأهل يعلمون اولادهم ما يؤمنون به ليتكدس في “الأنا العليا”، ان كان ديانة، او مهنة، او نظرة الى العالم والمجتمع والسياسة.

– طيب مزبوط أهلي واهل كتير من هالشباب اللي عم يتظاهرو كانو بالزمانات كمان هيك بيشبهونا. بس والله ما فيك تجي تقلي خلص ما بقى تروح مظاهرات. ما أصلا نحنا منكون 100 واحد عالكتير وحافظين بعضنا. بدك تقول “نادي هواة التظاهر”. ما الي قلب. بحس بالذنب اذا ما شاركت.

– الشعور بالذنب، صحيح. كتبت كثيراً عن الشعور بالذنب. في كتابي “قلق في الحضارة“، وجدت ان الشعور بالذنب هو المحرك الأساسي للحضارة، وقلت ان “الثمن الذي ندفعه من أجل تقدم الحضارة هو خسارة السعادة من خلال زيادة شعورنا بالذنب.” فهذا الشعور هو نتيجة الصراع بين الرغبات الداخلية والاملاءات المجتمعية. قد لا تدرك هذا الشعور بالذنب (اي انه في اللاوعي) فتظهر تجلياته بالتذمر والتوتر.

 .

تسويق الشعور بالذنب 

– طيب يا فرويد. هدّي هالسيجارة. قد تكون اقنعتني بدور الأهل في بناء شخصية “الناشط” وتوجهاته السياسية. بس مش كل الشباب أهلهم كانوا ناشطين. كما استنتجنا أيضاً ان الشعور بالذنب يدفع الناس الى التحرك والنشاط العام.

– تسلم الأيادي يا موكسي، بفرحتك. ولكن هل سألت نفسك ما هو تأثير “الشعور بالذنب” على مشروع “التغيير” في المجتمع؟ هل هو أمر مفيد او مؤذ؟ الحقيقة هي أن الناشطين يميلون الى رمي أنفسهم بقوة أكبر نحو النشاط العام من أجل تخفيف هذا الشعور بالذنب. وكلما ازداد نشاطهم، كلما شعروا بـ”إلتزام” أكبر تجاه القضية التي يناصرونها. وبذلك، يجدون أنهم قادرون على تخفيف وطأة الشعور بالذنب أو على الأقل تخفيف عوارضه عبر الغوص أكثر في التزامهم. مثل حضرتك. ما بتخلّي مظاهرة أو اعتصام يعتبو عليك! بس ما في نتيجة.

– صحيح يا حج. أشعر أني عالق في دوامة الشعور بالذنب. لاحظت اني أكرر كباقي الشباب نفس النمط منذ سنين حتى اصبحت تظاهراتنا وتحركانتا وشعاراتنا غير مجدية. أخ، أشعر بالإرهاق…

– ايوا! النشاط المبني على الذنب يعول على دينامية تسويق الذنب. يضع الناشطون لأنفسهم وللمجتمع معايير عالية. وهم غالباً ما يفشلون في الوصول الى هذه المعايير. ويشعرون بعد ذلك بشعور أكبر بالذنب. حتى أن عالمة نفس أجرت منذ فترة دراسة حول الإرهاق، أظهرت ان الشعور بالذنب هو المخدّر الذي يعيش عليه الكثير من الناشطين لدفع أنفسهم للإستمرار بالنشاط العام.

– بدأت أفهم أكثر. “الأنا العليا” لدى الناشط تتطلب تضحية شخصية لا متناهية من أجل “المبادئ” وهي طبخة مؤكدة للإرهاق. أتعلم يا سيغمند؟ أخبرني ناشط عتيق مرّة ان حياته كناشط يمكن تلخيصها بالصوت الذي يتكرر في رأسه:”هذا ليس كافياً، عليك العمل أكثر، لا وقت للراحة، هناك فقراء وجياع ومشردين… شعور داخلي بأنني لا أستحق الحياة حتى يحصل غيري على حياة.”

– شفت كيف؟ هذا الصوت وهذا الشعور الداخلي هو “الأنا العليا” التي استطاعت فرض نفسها. ولكن مصلحة المجتمع تأتي عبر التعاون والتفاهم داخل عقلك كما بين الناس، وليس عبر الشعور بالذنب. هذا الشعور بالذنب هو ما يحرككم، وليس القضية نفسها، ثم يحرقكم. وبعد ذلك تهاجمون الآخرين الذين لا يشاركون في التظاهرات وتتهمونهم بالتنظير. هل ما ينقصكم هو العدد فقط؟ هذا مثال سئ للناشط. أتعلم يا موكسي ان الناس يأخذون عنكم صورة سيئة.

– ايه ايه مزبوط معك حق. أعرف العديد من الشباب المتحمسين الذين يفضلون عدم المشاركة في التحركات. ليس لأنهم ضد القضية المطروحة، بل لأنهم لا يحبون الاسلوب العدائي الذي يتبعه “الناشطين” الأشاوس في مخاطبة الآخرين.

– شفت كيف بلشنا نستوعب ع بعض يا موكسي؟ هل تريدون البقاء هكذا لعشرين سنة اضافية؟ إنكم تحاولون تسويق هذا الشعور بالذنب ونقله الى الآخرين. ولكنكم لن تكسبوا شيئاً. وهذا التقنية ليست خاصة بكم فقط. فقد أظهرت دراسات عديدة أن “الشعور بالذنب” متفشِ لدى البريطانيين والأميركيين خاصة في موضوع حماية البيئة. لكن الدراسة تظهر ان شعورهم بالذنب تجاه الطبيعة يولد أقوالاً من دون أفعال.

– يعني يا سيغمند حسب كلامك “غيفارا” معقد من طفولتو؟ هيدا اللي بدك تفهمني يا؟

– لا “غيفارا” ما كان عندو مشكلة باللي قرر يعملو، كانت أفعاله بحجم أقواله. انت عندك مشكلة. استنتجنا انو تصرفاتك هي نتيجة دينامية وصراع داخل عقلك. وما في مشكلة طالما هنالك توازن . ولكن عندما تسيطر “الأنا العليا” (التي تمثل المبادئ والأخلاق) على أسلوب حياتك، تقوم بجهد إضافي قد لا تكون قادراً على تحمله الى الأبد. فتشعر بالذنب اذا تقاعصت عن “واجباتك” المزعومة. الشعور بالذنب هو أكثر المشاعر تدميراً. بدك تبني للمستقبل؟ جرّب غيّر من خلال علاقتك مع الناس من حولك. كما يقول همشريتي “المهاتما غاندي”: “الكل يريد تغيير العالم ولا احد يريد تغيير نفسه”.

– كلام جميل يا سيغمند. ما كنت عارف انو هلقد افكارك فيها تكون قريبة من اللي عم عيشو. بس “غيفارا” قال: “أن الطريق مظلم وحالك، فأذا لم تحترق انت وانا فمن سينير الطريق؟”. وما فيك تقنعني بالعكس. الدني فيها تضحيات. ومش كل الناس ناشطين لإن أهلهم كانو ناشطين. أنا من ناحيتي رح خفّف مظاهرات وبلّش فكر عن جديد، بكل شي. دايماً الدردشة معك مفيدة.

– احلى شي تفكر عن جديد.

– على كلن. يلا لازم فل، عطيني رقم تلفونك خليني إرجع شوفك.

– على راسي الموكس. سجل رقمي عندك، 70696969، او عملّي add عالفايسبوك، إسمي، cig.libido .

– هاهاع هاهاع، بأمر “الليبيدو” أنا.

– أبوسو!

8٬539 مشاهدة

رأيان على “سيغمند فرويد يزور بيروت”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *