نظرة سوداوية على عالم الإنترنت والحياة الإفتراضية تتضمن الصور التالية: رسوم وعبارات ساخرة او فكاهية تعليقاً على احداث كثير منها محزن كالحروب والتفجيرات والمجاعات. مواقع وأخبار الكترونية كاذبة تنشر مواد من دون مرجع او دليل، لينشرها المستخدمون على حساباتهم. برامج ضخمة تخلق جيوشاً افتراضية مكونة من آلاف الحسابات المزيفة التي تنشر اوتوماتيكياً تعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي لخلق رأي عام مزيّف والتأثير بآراء الناس.
وسط هذا الانترنت الفوضوي واللامركزي، يقول البعض ان اسوأ ما حصل في تاريخ الانترنت هو ربط حياتنا وهويتنا بالعالم الإفتراضي. ولكن، هل من مجال لنظرة أكثر تفائلاً؟
ام سيمي: المواطنة الطرابلسية الواعية
ام سيمي – سيدة طرابلس الأولى – هي صفحة لشخصية افتراضية على موقع فايسبوك يديرها شاب طرابلسي يتحدث فيها عن يوميات مدينة طرابلس واهلها ومشاكلهم. تتحدث “إم سيمي” عن مشاكلها مع الجيران، والظروف المعيشية والأزمة السياسية بطريقة فكاهية وبلهجة وتعابير طرابلسية بسيطة.
في احدى المواد المنشورة صيف 2013 الماضي، تسائلت إم سيمي عن ما كان ليحصل لو سكن رؤساء حكومات ووزراء ونواب طرابلس في شوارعها القديمة المنسية. هل كان ليترك رئيس البلدية شوارعها وسخة والكهرباء مقطوعة كعادتها؟
من بين الردود على تساؤلات إم سيمي تعليق من السيدة “نهلا المنير” وهي المسؤولة الاعلامية في “مؤسسة الصفدي” التابعة للوزير محمد الصفدي. ردت السيدة نهلا على ام سيمي بتوضيح باللهجة الطرابلسية فحواه أن “الصفدي” قام بتنظيف الطرقات وتركيب مستوعبات للمهملات، إلا ان ربات المنازل لا يبادرون برمي كيس المهملات في المستوعبات وأن “إبن إم احمد” (تقصد به بعض الشباب الطرابلسي) قام بكسر المستوعب وأخذه الى منزله. وتابعت ام سيمي النقاش مع السيدة نهلا لتستخلص ان التوعية ضرورية أكثر من المستوعبات.

اللافت في هذا الحوار انه جرى بين شخصية افتراضية (ام سيمي) وشخص فعلي يمثل شخصية سياسية طرابلسية لها مسؤوليات في مدينة طرابلس (نهلا المنير ممثلة محمد الصفدي). وعندما تشتعل المعارك بين التبانة والجبل، تعاتب “إم سيمي” على صفحتها اهل طرابلس الذين بمعظمهم لا يحركون ساكناً. فهم المسؤولون الاوائل عن ما يحدث في مدينتهم، بدءاً بإنتخاب النواب، وانتهاءً بالسكوت والتواطؤ المقنع مع من يخَربون مدينتهم.
علي بطة: الصحافي الشعبي المنحاز
علي بطة – صفحة على فايسبوك يعرف عنها مؤسسها بأنها صفحة “مواطن مستقل من الضاحية الجنوبية لبيروت، يعمل كمراسل من الشارع بلغة أهل الشارع”.
استقلالية علي بطة حسب التعريف لا تعني انه صحافي محايد، فهو لا يتهرب من التعبير عن مواقفه بوضوح حتى ولو تناقضت في بعض الأحيان مع “هوى الضاحية”. يستذكر بطة أقوالاً للعلامة فضل الله حيناً، ويعرض احياناً على متابعي الصفحة فرص عمل حصل عليها من بعض المعارف.
نشر علي بطة مؤخراً نصاً قصيراً ينقد فيه الشباب الذين يستذكرون تاريخ 7 أيار كلما حصل تصعيد سياسي او امني، ليعرضوا صورهم على فايسبوك مع اسلحتهم الحربية، ويتحولون الى متابعين دائمين للصحافة الإسرائيلية بعد ورود مقال يتحدث عن 7 ايار قادم. يتوجه علي بطة الى هؤلاء الشباب معتبراً ان كل هذا تخويف للطرف السني والشيعي وتحريض على المواجهة.
لا يقصد علي بطة مخاطبة الطائفة الشيعية او سكان ضاحية بيروت الجنوبية او جمهور النجمة فقط، لكنه يستفيد من موقعه كـ “صحافي شارع” للتواصل مع من يعتقد انه على دراية بأحاديثهم ويومياتهم.
يفتح علي بطة من خلال صفحته باب النقاش ليصبح كل مواطن صحافي ومثقف وناشط حقوقي وعامل اجتماعي. فلا “رأي عام” بمعناه الحقيقي الا بفتح المجال العام للجميع.
إيجابية الصفحتين تكمن في ان الحوار يدور على مستوى القاعدة الشعبية ولا يبحث عن حلول معلّبة جاهزة تقدمها الطبقة السياسية. ومع ان الصفحتين لم ترتقيا بعد الى مستوى العمل الفعلي، الا انها اداة لنشر الوعي بطريقة فكاهية، ساخرة، وقريبة من المواطن العادي وخاصة فئة الشباب.
كما يملك هذا النوع من الصفحات قدرة على جذب الناس وطرح القضايا بإسلوب جديد والانفتاح على المشاركة والنقاش عبر التعليقات وإعادة نشر تعليقات مميزة للمتابعين. فهم يتوجهون للمواطن لإغناء نظرته النقدية للأحداث اليومية السياسية والاجتماعية بعيداً عن الإعلام التقليدي.
فهل تساهم الصفحات المبنية على شخصية افتراضية في نشر افكار جديدة؟ وما الجديد الذي تقدمه “الشخصية الالكترونية”؟
الشخصية الإلكترونية
الشخصية الاكترونية (online persona) هي شخصية مكونة من مجمل ما تعرضه على الإنترنت ويصبح متاحاً لمجموعة من المستخدمين. تتنوع المواد التي تخلق هذه الشخصية من إسم او لقب، وصورة بروفايل، وتعليقات ومواد تقوم بمشاركتها على مواقع التواصل الاجتماعي او المدونات. وهي شخصية قابلة للتطور والتغير مع مرور الوقت ومع تغيّر المواد التي تنشرها.
الشخصية الإلكترونية لا تحرر الشخص كلياً من عالمه الحقيقي (خارج الانترنت). إلا انها تسمح له بتحسين فرصه على الإنترنت عبر إظهار مهارات لم تسمح له ظروف معينة بإظهارها في العالم الحقيقي (مهارات لغوية، تواصلية، بحثية،…) او مساواته مع غيره عبر تخفيف اهمية ما ُيعتبر “نقاط ضعف” بالنسبة للمحيط الذي يعيش فيه (ذوي الاحتياجات الخاصة، وزن زائد، مشاكل نطق).
إلا انها قد تضع ايضاً عقبات امام التجربة الإفتراضية في حال وجد الشخص نفسه في محيط افتراضي لا يناسبه او يضغط عليه ويقلل من قدراته.
بعض الأشخاص يميل الى التمييز بين شخصيته الالكترونية وشخصيته الفعلية. وتتنوع اسباب هذا القرار بين الشخصي، والسياسي، والديني (الاجتماعي).
حتى ان البعض يقرر إنشاء حسابين: واحد بإسمه الحقيقي للتواصل مع الاصدقاء، وآخر للتعبير عن آراء سياسية اذا كان وضعه غير آمن للتعبير عنها بحرية.
ووصلت الاشكالية الى مستوى يرى فيه البعض اولية للهوية الإلكترونية على الهوية الحقيقية. مثلاً، حذفت صحيفة الواشنطن بوست الأميركية مقال رأي لرجل يدعى “جايسون هانتمان” انتقد فيه شبكة المترو في مدينة واشنطن التي انتقل اليها حديثاً. وبرّرت الصحيفة حذف المقال عن الإنترنت الى عدم وجود اي معلومات عن الكاتب على الإنترنت. اي انه اذا لم يكن متواجداً افتراضياً فهو ليس موجوداً بالأساس.
مستقبل “المجهول”: فرضية محتملة
تساؤلات وتخيلات عديدة لمستقبلنا الرقمي. ففي حال انتصرت الحكومات والشركات في حرب القمع والرقابة والسيطرة على الإنترنت (وليس غريباً ان معظم الموقوفين فيها يناضلون من اجل الخصوصية والحرية الشخصية) قد يصبح شائعاً في المستقبل أن يقوم المواطن العادي بعملية تجميل واحدة على الأقل في حياته لتغيير ملامح وجهه هرباً من كاميرات المراقبة وبرامج كشف الوجه (face detection) التي تلاحقه في حياته على الانترنت او خارجه. فموقع فايسبوك قادر حالياً على تحديد ملامح وجهك في اي صورة مرفوعة على الانترنت وربطها بحسابك الالكتروني.
ايضاً، قد نبدأ بشراء هواتف وحواسيب منخفضة الثمن لإستعمالها لأسبوع أو يوم أو لإجراء مكالمة واحدة فقط قبل رميها او بيعها في السوق السوداء، هرباً من المراقبة والرقابة او الإعلانات التجارية الموجهة.
قد يصبح كل واحد منا خارجاً عن القانون لمحاولته التهرّب والهروب من قاعدة البيانات التي تجمعها الحكومات والشركات بهدف السيطرة على آرائنا السياسة وميولنا الاجتماعية والإستهلاكية. قد يصبح قريباً جداً ممنوع علينا ان تخفي هويتنا على الإنترنت.
قد يعود مستخدمو الانترنت الى استخدام الألقاب (nickname) . اذا انه وقبل فورة الفايسبوك، كانت الهوية على الانترنت كناية عن لقب (ليس الاسم الحقيقي واسم العائلة) وصورة غرافيكية (avatar). ومع انتشار حمى فايسبوك، استخدم الجميع اسمائهم الاصلية لإعادة التواصل مع اصدقاء او زملاء تعرفوا عليهم على مقعد الدراسة وفقدوا اثرهم بعد التخرج من المدرسة او الجامعة. وهذا الامر قدم خدمة مجانية للحكومات التي تتجسس على سكان العالم عبر الانترنت. فهي حصلت من دون اي جهد على الاسم الحقيقي للمستخدم الذي كشف إسمه علنياً بملء ارادته.
ومع أن الشبكة الاجتماعية الاكبر على الانترنت حالياً هي فايسبوك، إلا ان مواقع اخرى مؤثرة مثل تويتر، و ريديت، وما تبقى من منتديات ومساحات التعليق لا تزال تستخدم الألقاب (nickname) بدل الاسم الحقيقي.
كما نجد في العالم العربي عدداً كبيراً من مستخدمي الانترنت الذين لا يزالون يستخدمون الالقاب ويخفون هويتهم خوفاً من انظمتهم. حتى ان الذين كانوا يعرضون اسماءهم الحقيقية على فايسبوك في مصر وسوريا مثلاً، عادوا لإستخدام الالقاب بعد انتفاضات 2011 (مثلاً: سوري حر، صقر حلب، مصري اهلاوي، شيماء رابعة…)
التبني الشامل للتشفير الرقمي
التخفي على الانترنت دون ربطه بالوسائل التقنية ليس كافياً. وتكنولوجيا الإتصالات الآمنة (نسبياً) والتشفير الرقمي متوفرة منذ عقود وهي ليست إختراعاً حديثاً. الا ان الهدف المطلوب تحقيقه هو “التبني الشامل للتشفير الرقمي” ونشر ثقافة تقديس الخصوصية على الانترنت وخارجه. بمعنى آخر، يمكن مواجهة التجسس الحكومي والتجاري على المواطنين عبر تبني شامل لتكنولوجيا وبرامح التشفير.
وهنا الاشارة الى ان عدة قوانين يتم العمل عليها في الدول “الديمقراطية” لتجريم تشفير الاتصالات والمعلومات. بل ان هذه الدول ترفع ايضاً من احتمال وضع شخص تحت المراقبة اذا ثَبُت استخدامه او بحثه عن برامج تشفير.
ويمكن الوصول الى هذا “التبني الشامل” عبر رفع مستوى ثقافة الأمن والخصوصية على الانترنت لدى الأفراد ودعم المؤسسات التي تضع جهودها في هذا المجال. كما انه من الضروري ايضاً العمل على تخطي العقبات اللوجيستية التي تؤخر انتقالنا الحتمي الى التبني الشامل للتشفير الرقمي. فمثلاً، نظام TOR لإخفاء الهوية يخفف من سرعة الانترنت البطيء اصلاً في بلادنا، وشفرة الPGP ليست سهلة للمستخدم العادي، والاشتراك بالـ VPN لا يزال مكلفاً مادياً وهو اضافة أخرى على الكلفة المادية لحياتك الافتراضية.
بديل وليس هروب
بدأ هذا المقال بمثالين لشخصيتين افتراضيتين تحاولان التعبير بحرية اكثر عن رأيهما وعما يجول في حياتنا اليومية وفتح مساحة عامة لصنع رأي عام بديل. وبعد التعمق في الشخصية الالكترونية ومزاياها، نجد ان السبب الأساسي وراء قرار خلق شخصية إلكترونية ليس الهرب من الواقع، بل التحرر من بعض القيود المفروضة ومواجهة هذا الواقع من دون هذه القيود. فقد يشعرك إخفاء الهوية الحقيقية بمزيد من الأمان، بالقدرة على المناورة او التعبير بمزيد من الصراحة.
في كافة العصور، وقبل دخولنا عصر الإنترنت، استخدم العديد من الكتاب اسماً مختلفاً عند توقيع كتاباتهم. مثالين بسيطين على ذلك عبد الرحمن الكواكبي الذي كان يستخدم لقبين: “السيد الفراتي” و “ملسم حر الافكار”، و الباحثة النسوية المصرية “ملك حفني ناصف” التي كانت توقع كتاباتها بإسم “باحثة البادية”.
أخيراً، يقول أحد مؤسسي موقع The Pirate Bay “بيتر ساندي” انه لا يمكننا الانتصار سياسياً بالتكنولوجيا وحدها. بمعنى آخر، بدل الابتعاد او الانفصال عن السياسة والنظام المالي الفاسد، علينا الانخراط في العملية الديمقراطية، وعدم الإكتفاء بالبحث في التكنولوجيا عن مجتمع بديل. إلا ان هذا لا يمنع استخدام ما تقدمه التكنولوجيا في المواجهة السياسية والتحرر من الرقابة الحكومية والتجارية. فكل جهدنا ونشاطنا الالكنروني، يجب ان يصب أخيراً في الشارع… بعيداً عن لوحة المفاتيح.

