التقدم ليس ممكناً من دون الإنحراف عن القاعدة

عن القهر والزواج المبكر والتقاليد: 13 سؤال وجواب

 

 

“إتِباع التقاليد لا يعني أن الأموات أحياء، بل أن الأحياء أموات.”
– إبن خلدون

النص التالي هو مجموعة من الإقتباسات من كتاب “التخلف الإجتماعي: مدخل الى سيكالوجيا الإنسان المقهور” للدكتور مصطفى حجازي، قمت بتجميعها وعرضها على شكل 13 سؤال وجواب في محاولة لمناقشة موضوع يتم الحديث عنه منذ أيام، وهو تشجيع الزواج المبكر ورفض المثلية واعتبارها سلاح يستخدم من قبل المجتمعات الغربية لتدمير المجتمعات العربية والإسلامية. والملفت في الموضوع أن النقاش هو حول أمور تتعلق بحياة الفرد وشؤونه الأسرية.

والتركيز على “انفراط” المجتمعات الغربية “وتدمير” عائلاتها بسبب الإنحلال الأخلاقي و تأخر الزواج والمثلية هي حجج تستخدم دائماً لخلق حاجز بين “نحن” و “هم”، الجماعة الطاهرة والعدو القذر. يساهم ذلك في الترويج لفكرة توحيد الصف الداخلي خلف القيادة للتصدي الى “خطر ما” يهدد الجماعة. ويشهد التاريخ في مناسبات عدة أن هذا النوع من الخطابات ساهم في التحضير لمجازر أقترفتها دول وقبائل وجيوش ضد “الآخر” الغريب.

وبعيداً عن التهويل والتخويف، تُعرّف الأسرة (منبع الأخلاق والقيم في مجتمعاتنا) بأنها مؤسسة اجتماعية في المقام الأول: تنشأ وتستمر نتيجة لعوامل اقتصادية – اجتماعية، ولنظام المِلكية والسلطة. وتضعف الروابط في المجتمعات الصناعية المتقدمة (لأسباب إقتصادية لا علاقة لها بالأخلاق)، كي تختزل الأسرة في خلية صغيرة هي الوالدان والأبناء ذوو العدد المحدود.

 

13 سؤال وجواب:

1- كيف تتم الدعوة الى الزواج المبكر كوسيلة للتمسك بالماضي؟

الإنسان المتخلف كالمجتمع المتخلف سلفي أساساً. يتوجه نحو الماضي ويتمسك بالتقاليد والأعراف بدل التصدي للحاضر والتطلع إلى المستقبل. وتزداد السلفية شدة وبروزاً بمقدار تخلف المجتمع وبشكل يتناسب طردياً مع درجة القهر التي تمارس على الإنسان فيه. وتترسخ السلفية من الناحية الذاتية بمقدار الشعور بالعجز من مجابهة تحديات الطبيعة والمتسلطين، على اختلاف فئاتهم ومراتبهم. […] وفي حين تشكل السلفية إجتماعياً، موجهاً للسلوك، وقانوناً يضبطه، نرى الإنسان المقهور، من الناحية النفسية، يتخذها معياراً لحياته ونظرته الى الوجود.

ويشجع المتسلط الداخلي السلفية تشجيعاً مستمراً لانتشارها وتعزيزاً لمكانتها. لأنها تكرس امتيازاته وتعطيها صبغة الأمر الطبيعي، والقانون الطبيعي الذي يحكم الحياة وبالتالي لا يجوز المساس به من ناحية، وهي تصرف الإنسان المقهور عن النهوض بواجب التغيير.

 

2- لماذا التركيز على التناسل والزواج في العالم المتخلف؟

الأسرة ضمانة من كوارث الطبيعة وحماية من أخطار العدوان الخارجي من خلال كثرة العدد. ولذلك يحتل التكاثر والتناسل أهمية مفرطة في العالم المتخلف. إنه نوع من الدفاع البيولوجي (كثرة الأولاد) ضد غوائل الطبيعة، وما قد يخبئه المستقبل. الأولاد حماية من الأعداء (سياج الأسرة في كثرة عدد شبابها) والأولاد ضمانة الشيخوخة والعوز. والأولاد عزة ومنعة من خلال تعزيز مشاعر الخلود النفسي من خلال الذرية. وفي ذلك كله تعويض عن مشاعر الضعف. […] وهذه الدلالات من أكبر عوامل التعويض عن المهانة الوجودية، التي يرزح تحتها الإنسان المقهور: الاعتزاز بالقدرة على الإنجاب عوضاً عن القدرة على الإنجاز.

والإنتماء الأسري الذوباني وسيلة فعالة من وسائل تصريف العدوانية المتراكمة والنابعة من الإحباطات الوجودية، من خلال ذلك المد العاطفي الدافق الذي يوازن العدوانية التي تهدد بالارتداد إلى الذات وتدميرها، كما تهدد بتفجير مشاعر الذنب المرتبطة بالعجز عن تحقيق الذات من ناحية، ومن خلال تحويل هذه العدوانية بإسقاطها على الأسر – العشائر العدوة، والحرب ضدها من ناحية ثانية.

 

3- هل يمكن إستخدام التقاليد والأعراف كوسائل لقمع الإنسان؟

المجتمع المتخلف، مجتمع تقليدي جامد، متوجه نحو الماضي، يضع العرف كقاعدة للسلوك وكمعيار للنظرة إلى الأمور. والإنسان المتخلف كائن تتحكم به التقاليد وتقيد كل حركة أو انطلاقة نحو المستقبل لديه. فعنصر القهر واضح تماماً في المجتمع التقليدي الذي يمتلك أبناءه ويلغي مبادراتهم. إنه يقولبهم في صيغ جامدة ثابتة.

ويتوسل المجتمع، وخصوصاً الفئة ذات الامتياز فيه، وسائل عديدة لتعزيز التقاليد وفرض الجمود على حركة الفرد وبنية الجماعة. معظم هذه الوسائل ذات طابع قمعي أساساً.

 

4- كيف تساهم التقاليد في زيادة القهر؟

من وسائل القمع تفسير الكون من خلال التقاليد والبنى العلائقية والمرتبية الاجتماعية السائدة، حتى تبدو التقاليد كأنها الطبيعة الوحيدة للحياة، وأن كل مساس بها هو مساس بقوانين الحياة التي لا يحوز أن تمس. فرضوخ المرأة واستعبادها ليسا إستغلالاً لكائن مقهور، بل هما طبيعة المرأة ذاتها، أو هكذا يُصور، وبالتالي فهو أمر طبيعي عليها أن تتقبله كخاصية أساسية من حصائص كيانها البيولوجي.  واستغلال الآباء لأبنائهم والتحكم بمصائر بناتهم والإتجار بهن حق مقدس لا يجوز أن يمس. غنى المتسلط وفقر الكادح، عبارة عن قسمة طبيعية للأرزاق والمقامات، لا يجوز المساس بها وليس من سبيل سوى تقبلها والدفاع عنها.

 

5- لماذا يتم إستحضار الخطاب الديني لمواجهة التغيير في السلوك الإجتماعي؟

ويتوسل المتسلطون الدين، من أجل ترسيخ العرف الشائع الذي يخدم مصالحهم قبل كل شيء. ويعززون سطوة التقاليد من خلال آيات وأحاديث لا مجال للشك فيها، وإلا تعرض إيمان الإنسان المغبون للخطر وأمله الوحيد في عزاء دنيا الآخرة للتلاشي. ولكن اللافت للنظر هو أن المجتمع التقليدي، والذين يمسكون السلطة فيه ويتمتعون بكل الإمتيازات، لا يبرزون من الدين سوى الجوانب التي تؤكد سلطتهم، وتعزز العرف الشائع والنظام المرتبي. وهكذا يصبح كل ما هو عصري يساعد الإنسان على تحرير ذاته وامتلاك زمام مصيره بدعة، وكل توكيد على الحق والعدالة والكرامة وممارستها زندقة. ويتحول الدين إلى سلاح مسلط على المغبونين. وهذا أفعل سلاح لدفعهم إلى الاستسلام والإذعان لأنه يهدد أملهم الأخير في الخلاص والعزاء في ثواب الآخرة. خلاص وثواب يجعلان وحدهما حياة القهر ممكنة.

 

6- ألا يتناقض إنجذاب الإنسان المقهور الى التصريحات المدافعة عن التقاليد مع حاجته للتمرد؟

التمسك بالتقاليد يشكل أوالية دفاعية ضد قلق مجابهة المسؤولية الذاتية. فهي (التقاليد) بما يسبغ عليها من صفات القانون الطبيعي، تتضمن تبريراً للعجز الذاتي عند الإنسان المقهور. فإذا كان راضخاً أو فاشلاً أو بائساً، وإذا كان عاجزاً عن تحمّل تبعة مصيره والنهوض للتحديات التي تطرحها عليه علاقة القهر وضرورة التحرر منها، فليس الذنب ذنبه، بل هو نظام الحياة الذي قسم له دوره وحدد له مكانته.  التمسك بالتقاليد يحمي الإنسان المقهور من مجابهة ذاته، من خلال الهروب نحو الخارج، الذوبان التقليدي والشائع، والإنضواء تحت قانون العرف.

 

7- ما هو دور المرأة في ماكينة التمسك بالتقليد؟

ليس من المستغرب أن تكون المرأة، وهي أكثر العناصر غبناً وقهراً في المجتمع المتخلف، أفصح معبّر عن التقليد، وأشد العناصر تمسكاً بالأعراف، وأكثرها إصراراً على ربط الشرف الذاتي بمعايير الشرف التقليدي. وأكثر ما تتشدد فيه المرأة الأم هو فرض هذه المعايير وتلك النماذج على إبنتها، من خلال الحرب المزمنة والمنظمة التي تشنها على أي مظهر من مظاهر التمرد عند ابنتها.

 

8- كيف يتم تثبيت هذه الميول التسلطية في الأسرة؟

من الناحية العلائقية النفسية، الأسرة العريضة تملكية أساساً. وأهم العلاقات ضمنها من نوع الحب التملكي. الأب يمتلك الأم والأولاد، يحميهم ويؤمن حاجاتهم، ولكنه يقرر مصيرهم وتوجهاتهم الحياتية (في الإعداد للمستقبل والزواج وغيره)، تبعاً لمصلحته ومصلحة الأسرة. والأم تحب أبناءها وترعاهم بشكل تملكي. فهي تتفانى في خدمتهم والسهر عليهم، تقدم نفسها وعطاءها لهم دون تحفظ، شريطة أن تحتفظ بسيطرة خفية عليهم، سيطرة الحب. إنها تقيدهم بواجب الوفاء وعرفان الجميل لذلك الكائن الذي نذر نفسه وبذلها من أجلهم. ومن خصائص الحب التملكي التساهل بكل شيء ما عدا الرغبة في الإستقلال والتوجه نحو التفرد. تلك هي الخطيئة التي لا تساهل فيها، لا من قبل الأم، ولا من قبل الأسرة عموماً، إنها العقوق والخيانة.

 

9- كيف ترد الأسرة على محاولات التحرر عند الفرد؟

تستجيب الأسرة عادة بردود فعل مفرطة في تطرفها لمحاولات الإستقلال هذه، تتخذ مظاهر متنوعة وأساليب متعددة، وتدور كلها حول الترغيب والتهديد والابتزاز: الترغيب بمحاسن البقاء الذوباني في الأسرة وما في ذلك من امتيازات وضمانات (مادية ومعنوية)، والتهديد بالنبذ والحرمان والعقاب والتنكر، وحتى التصفية الجسدية (في حالات البنات اللواتي يتجرأن على تحدي رغبة الأسرة)، وأما الإبتزاز فهو ما تمارسه الأم عادة من إثارة لمشاعر الذنب عند الأبناء الذين أنكروا الجميل وتنكروا للتضحيات وحرقوا حقوق الأمومة.

 

10- هل يمكن خلق شخصية فردية ضمن المجتمع التقليدي؟

لا تقاوم الأسرة الكبيرة الميول الإستقلالية فقط، بل هي تقاوم الفردية ضمنها. ليس هناك قطاع خاص في الأسرة – العشيرة. كل شيء عام ومشاع. الإنسان نفسه ملكية عامة ضمن المؤسسة. كل ميل الى الفردية، الى الذاتية، والعالم الحميم، يفسر كتهديد لتماسك الأسرة وكخروج عن سطوتها. فهي تبسط نفوذها على الأجساد والعقول والعواطف، وهي تتحكم بالعلاقات. وفي ذلك استلاب للشخصية، وصد لأصالتها. وتشتط الأسرة – العشيرة في فرض العمومية والمشاع في كل كبيرة وصغيرة، لا شيء يجب أن يفلت منها، أو يمارس بمعزل عنها. تلك هي مأساة العلاقة التملكية كعلاقة إستلابية. وهي تضم في أحشائها نواة نقيضها الذي لا بد أن يبرز يوماً، من خلال تفجر ما تتضمنه من إحباطات لتوكيد الذات، وتراكم العدوانية المقموعة، وتوق الى الحرية المستلبة.

 

11- هل من مكان للتطور الإجتماعي في ظل هذا الواقع؟

سطوة الأسرة العريضة وتملكها لأبنائها كبيران فهم لا ينشأون لأنفسهم، بل لأسرهم. كل إنجاز حققه أحدهم، كل تقدم مهني أو علمي أو مالي لا يعود أثره عليه فقط، بل هو في المقام الأول وسيلة لزيادة جاه الأسرة وبسط نفوذها. وتشكل الأسرة العريضة بذلك أكبر العقبات إزاء التطور الإجتماعي. فهي تنازع المجتمع على ملكية أبناءها، وتحدد هويتهم أسرياً، بدل أن تحدد هويتهم مواطنياً، بل أن المواطنية ذاتها تتحدد في هذه الحالة أسرياً. الإنتماء إلى الأسرة بهذا الشكل الذوباني يمنع الإنتماء إلى المؤسسات الإجتماعية العامة، ويمنع بروز المصلحة العامة وغلبتها لصالح سيادة مصلحة الأسرة العشيرة. وهذه تسير مع المصلحة العامة طالما خدمت نفوذها وقوتها، وتقوم ضدها عندما تهدد مصلحتها الخاصة وامتيازاتها. إن التغيير الإجتماعي لا يمكن أن يتم من خلال الأسرة العشيرة، إنه يتم تحديداً على حسابها، من خلال تغليب الهوية المواطنية على ما عداها. الأسرة الكبيرة لا تعترف بقيم المساواة والمشاركة والعدالة الإجتماعية والتحرير الذي لا بد منه، كي يكون فعلياً، أن يكون شاملاً لجميع المواطنين على مختلف فئاتهم وانتماءاتهم، وهي لذلك عقبة فعلية أمام التنمية. الأسرة الكبيرة تقود رأساً إلى بروز الإقطاعية في المجتمع الزراعي والقبلي، والرأسمالية البورجوازية في المجتمع الحضري، والطائفية في الحالتين، نظراً لحاجتها إلى العصبية الدينية، إذا استحالت العصبية القبلية، كوسيلة لتماسكها من خلال مناصبة الخارج العداء والحذر، وهي لذلك عقبة أمام التغيير في اتجاه تحرير الإنسان.

 

12- ما هي الوظائف النفسية التي نحصل عليها من خلال الإنتماء الى مجتمع عشائري؟

هذه الأسرة رغم ما تشكله من عقبات أمام التغيير، ورغم ما تضمه أحشاؤها من تناقضات قابلة للإنفجار، تلعب على المستوى الفردي وظائف نفسية هامة. فهي تساعد العناصر الضعيفة، والأكثر عجزاً عن التصدي للأخطار الخارجية (الطبيعية والإنسانية)، والأكثر فشلاً في تحقيق أصالة ذاتية من خلال الإنجازات، على مجابهة واقعها، والتعويض عن مشاعر إنعدام الأمن من ناحية، والهوان الذاتي من ناحية ثانية.

فهي أولا تقدم هوية أسرية لمن لا هوية مهنية أو علمية أو فردية له. من ليس لديه سبب ومصدر للاعتزاز الذاني، يعتز بإسم أسرته. ومن عجز عن الحصول على مكانة مرموقة من خلال الإنتماء إلى المؤسسات الإجتماعية يفخر بمكانة ما في أسرته ضمن عشيرته. من لم يتمكن من النجاح الحياتي كمصدر اعتزاز شخصي، يعتز بحسبه ونسبه، ولو كانت الأسباب الواقعية لهذا الإعتزاز وهمية. فعالية ما يحدث نوع من التباهي بأمجاد الحسب والنسب عند المغبونين من خلال التماهي بالمتسلطين واعتزازهم بانتماءاتهم. أكثر الناس تعلقاً بإسم الأسرة هو إما فرد متسلط يحظى بأكبر الإمتيازات من خلالها، أو فرد مغبون مقهور ليس لديه سوى وهم الإسم.

 

13- كيف يساهم ذلك في غياب الحقوق والخدمات الأساسية للمواطن؟

الأسرة هي الملجأ والملاذ، وهي الضمانة ضد الإخطار الخارجية. إنها تأمين للإنسان المهدد في صحته وسمعته ورزقه وغده، من خلال نظام التعاضد والتعاون الداخلي الذي يشيع فيها. فالإنسان المعدم يمكنه إذا حلت به طارئة ما، أن يلجأ إلى أسرته ويحصل على المساعدات ممن يملكون تقديمها، بدل أن يحظى بالتأمينات والضمانات الإجتماعية التي يستحقها كل مواطن في المجتمعات المتقدمة. كل فرد من أفراد الأسرة – العشيرة يستطين أن يستعين بقوّتها عندما يتهدده خطر خارجي. فالأسرة – العشيرة لا بد أن تهب لنجدته وتنتصر له إذا أرادت أن تحتفظ بسيطرتها عليه. وهو لا يستطيع في غياب الحماية الاجتماعية، الاستغناء عن أسرته وإلا تعرض للهلاك.

1٬446 مشاهدة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *