في مديح جاكي بوركهارت

books are for prisoners
علّقت جاكي بوركهارت، الفتاة المدللة صاحبة الأفكار السطحية و”الشيرليدر” في زمرة أصدقاء “ذات سفنتيز شو”” (That 70’s Show) تعليقاً على دعوتها الى قراءة الكتب، قالت مشمئزة: “books are for prisoners” او “الكتب للسجناء”.

لم تشرح جاكي فكرتها او تبلورها في تلك الحلقة من المسلسل، الذي شاهدتُ مواسمه الثمانية ست مرات متتالية منذ عام 2009.

واستقرت العبارة في ذهني منذ ذاك الحين، أرددها بِصمتٍ في رأسي أو أمام الأصدقاء متى وجدت فيها منفعة. ولطالما رافقت العبارة صورة في ذهني لسمير جعجع مستلقياً في سريره يقرأ الكتب في زنزانته.

***

آه يا جاكي…

استوقفتني منذ أيام مقالة من جريدة أميركية شاركها أحدهم على “فايسبوك” وأقتبس منها:

“ما نشعر به جميعاً هو ضغط دائم وحاجة لمعرفة كافية، في كل الأوقات، خشية أن ننفضح بأننا أمّيون ثقافياً. كل ذلك كي ننجو من حديث في مصعد، أو إجتماع عمل، او زيارة الى مطبخ المكتب، او حفل كوكتيل – كي نتمكن من النشر والتغريد والدردشة والتعليق وإرسال رسالة نصية قصيرة، كما لو أننا رأينا، قرأنا، شاهدنا، واستمعنا. ما يهمنا، الغارق في بيتابايتات (Petabytes)  من المعلومات، ليس أن نستهلك هذا المحتوى مباشرة. بل يهمنا فقط أن نعلم بوجوده، وأن يكون لنا موقفاً نحوه، وأن نكون قادرين على خوض “دردشة” حوله. نقترب بخطورة من تركيبة جديدة من الإلمام البسيط الذي هو فعلياً شكل جديد من العدم او اللاشيء.”

صحيح أننا نهرول بين الروابط لنقرأ مقالاً هنا أو مادة هناك، أو كي نلتقط خبراً عن زعيم في كوريا الشمالية وآخر عن رئيس متواضع في أميركا الجنوبية، لنشاركه مع الأصدقاء في جلسة قهوة أو حول كأس من البيرة، كي نعطي رأينا فيه ونصيغ نظريات تشرح المعنى. معظم هذه المواضيع ليست من اختصاصنا الأكاديمي او المهني او من هواياتنا الأساسية. روابط إلهاء إلكترونية من أجل أحاديث “ثقافية” مجتمعية. وماذا يبقى منها؟ بول على مراحل في المرحاض، حسب نوع الشراب.

***

أه يا جاكي…

تعطل حاسوبي منذ ثلاثة أيام. أخذته الى مستشفى الحواسيب علّ التقني يعيده الى الحياة. وفي انتظار الجواب، انتهيت، خلال ليلتين، من قراءة كتاب. وفي اليوم الثالث اشتريت كتاباً آخر وقرأت الجزء الأكبر منه… في ليلة واحدة. هذا ليس إنجازاً لكثير من الناس، ولكنه صدمة بالنسبة لي. لم أعتد أن أثق بقدرتي على التركيز لساعة واحدة وقراءة كتاب.

***

تذكرتك يا جاكي…قلت أن الكتب للسجناء.

السجين هو سجين المكان. عقابه هو منعه من مغادرة مساحة ضيقة هي الزنزانة. فلا يملك وسيلة للهرب إلا حفراً بالملعقة مثل فيلم “الهروب من ألكاتراز“، او بالكتب.

حين قرأت، واستمتعت بقراءة الكتابين، اكتشفت كم أنني أتعذب وأنا أراكم “المعلومات” من عشرات المواقع الإلكترونية كل يوم وأحفظها في حساباتي الخاصة هنا وهناك وأقوم بأرشفتها كي لا تضيع مني.

ولماذا أخاف أن تضيع مني؟ وهل أنا مكتبة أو موسوعة أو قرص صلب للتخزين؟ وهل ستهرب “المعلومات” مني؟ وهل أنني أعاني من مشكلة هضم لهذه المعلومات ما يجبرني على تخزينها كالأبقار لهضمها لاحقاً؟ وهل فائض في المعلومات وراء مشكلتي مع الهضم؟

والأنكى ( الجريمة التي كنت ارتكتبها بحق نفسي ) أنني كنت أتحجج خلال السنتين الماضيتين أمام أصدقائي بعدم قدرتي على التركيز والقلق الدائم، الذي أعاني منه كحاجز يمنعني من قراءة صفحة واحدة من رواية أطمح الى قراءتها.

الى أن تعطل حاسوبي ووجدت نفسي أقرأ من دون توقف. أستيقظ الساعة الخامسة صباحاً كي أتابع قراءة صفحات الرواية التي بدأتها ليل أمس.

ونتيجة لذلك، بت أكثر حماساً للمغامرة والخروج بعيداً عن غرفتي، وزنزانتي، وشاشة الحاسوب، كما لو كنت سجيناً يهرب بالكتب بعيداً عن جدران السجن وخطوات السّجان.

..أكثر حماساً للخروج ومقابلة الأصدقاء بدل العيش على كرسي أمام شاشة مع عشرات الشخصيات المتشابهة التي تتحول الى مجموع “لايكات” وتعليقات.

..أكثر حماساً لأعيش كما أبطال الروايات، مغامرتي الخاصة، بدل الإنطواء في مختبر من الروابط والأخبار، لن يسمح لي بتجربة تجلياتها شخصياً.

***

عزيزتي جاكي،

لا اعتقد أنني سأتخلى عن الحاسوب والروابط و”فايسبوك” والقفز من صفحة الى أخرى. أتمنى أن أخفف استهلاكي وتخزيني للمعلومات من الإنترنت. ولا أعلم إن كنت سأتابع حمل الكتب بيدي لأقرأها، لكنني أتمنى ذلك. إلا أنني أشعر أكثر من أي وقت مضى بثقل عبارة قرأها سجين داخل زنزانته:
“وأجمل رحلاتنا.. في القطار الذي فاتنا”

6٬134 مشاهدة

4 آراء على “في مديح جاكي بوركهارت”

  1. مقال رائع بالفعل!
    إنه يسلط الضوء على مشكلة كبيرة في هذا العالم. لهذا السبب وأسباب أخرى تركت فيسبوك. أحببت مبادرتك لترجمة مقطع من مقالة علمية والتعليق عليه فنحن نحتاج لذلك اليوم وبنطاق واسع. إستمتع بالقراءة!

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *