بين أحمد العربي وأحمد داوود اوغلو

غرافيتي للبطل التركي “ازيل” في بلدة طاريا – لبنان

مضت ثلاثة اشهر على استقالة احمد (22 عاماً) من وظيفته. وبدأت علامات التململ تظهر عليه نتيجة وضعه الحالي. عاطل عن العمل بدوام كامل وعاطل عن الحياة في اغلب الأحيان، يقضي احمد ابن البقاع اللبناني معظم الوقت في منزل العائلة امام شاشة التلفاز، الى ان ينضم اليه اهله مساءً مع بداية نشرة الأخبار.

يشاهد احمد ووالداه وبعض الأقارب نشرة الأخبار. تعليقات متقطّعة تُظهر رفض المشاهدين المحدّقين بالشاشة للأحداث المحلية والإقليمية وعدم رضاهم عن أداء المسؤولين والمستشارين والزعماء على حد سواء. الا ان نجمة السهرة/النشرة من دون منازع هي الديبلوماسية التركية التي تظهر بصماتها في كل شاردة او واردة، حتى ولو كان الخبر متعلقاً بلبنان والأزمة الحكومية، او ايران وملفها النووي، او فرنسا والموقف من مجازر الأرمن، او اسرائيل…عفواً فلسطين. وهنا المفارقة. إذ ان النشرة لا تتطرّق لما يحصل في الشؤون التركية الداخلية. فما لا يُدَبلج الى العربية ليس من شأننا واي جُهد بسيط لفهمه هو تدخل سافر في ما لا يعنينا…و”اللي فينا مكفّينا.”

انتهت نشرة الأخبار المسائية مع آخر شفّة من فنجان القهوة التركية. اما الآن فقد حان الوقت لمتابعة حلقة جديدة من احدى المسلسلات التركية المدبلجة الى اللغة العربية. كثيرة هي المسلسلات التركية التي يتابعها احمد خلال فترة البطالة حتى اصبح خبيراً في اللهجة العربية السورية.

من بين هذه المسلسلات الدرامية قصة فتاة تركية تعرضت للإغتصاب من قبل شباب اثرياء واصحاب نفوذ. فتتحول الدراما الى نقد لموقف المجتمع والقانون التركي من قضية الاغتصاب فاتحة الباب على مصراعيه لمواجهة الفساد السياسي والمالي المستشري في تركيا…اكرّر، في تركيا.

وقفة مع فاصل إعلاني…

وكما في نشرة الاخبار، فبطلة الاعلانات ايضاً هي المنتجات التركية. لا تمرّ فترة اعلانية من دون عرض منتج تركي. ويكون المنتج في اغلب الأحيان صنفاً من الحلويات، او شامبو للشعر تقوم فنانة تركية (وهي بحدّ ذاتها مُنتَج استهلاكي) بإغواء المستهلكين والمستهلكات العرب لشرائه. أضف الى ذلك الاعلان عن “معرض الجامعات التركية” الذي نُظّم هذا العام لأول مرة في مدينة طرابلس شمال لبنان والذي من المفترض ان يستقطب شباب لبنانيين كأحمد بحثاً عن الحلم العربي في اقرب بلد غير عربي.

انتهى الفاصل الإعلاني.

وبفضل تركيا، نجح العرب في مقاطعة البضائع الأميركية بعد عقود من المحاولات الفاشلة. فالمشاهد العربي توقف عن مشاهدة السلسلة الأميركية الأصل “ربات منزل يائسات” (Desperate Housewives) واستبدلها بالسلسلة التركية المستنسخة “نساء حائرات.” ولا مشكلة مع الاستنساخ، شرط ان لا يكون مرتبطاً بنعجة كـ “دوللي.”

يُكمل احمد سهرته الطويلة مع مسلسل آخر يروي قصة “بطل” تركي يُدعى “مراد”. يواجه البطل التركي جهاز الموساد الاسرائيلي واجهزة استخبارات دولية دفاعاً عن فلسطين. وفي جزءه الخامس، يواجه مراد الاسرائيليين بعد مجزرة سفينة كسر الحصار التركية “آفي مرمرة” التي هاجمتها قوة كومندوس اسرائيلية. وكان معظم ركاب السفينة من الاتراك وليس العرب.

الا ان احمد يشعر ببعض الاستغراب. فقبل اخذ موقف من “البطولة” التركية تجاه اسرائيل، يشعر احمد بالحاجة اولاً لمعرفة كيفية لفظ كلمة “فلسطين” باللغة التركية. ثم يسأل نفسه: كيف يتم انفاق كل هذه الأموال التركية على مسلسل معادِ لإسرائيل؟ ولماذا تمت دبلجته الى العربية؟ واليست تركيا من أهم حلفاء اسرائيل في المنطقة امنياً واقتصادياً وعسكرياً، في السر وفي العلن؟ وأين يُصرف هذا المسلسل؟ ومن أين يجني هذا المسلسل ارباحه؟

الحقيقة هي ان المسلسل يُصرَف وتُجنى ارباحه من المشاهد العربي.

من الممكن ان نتعلم الكثير من تركيا: من حكم العسكر وحكم التيار الاسلامي، من الفساد وغياب العدل الا في المسلسلات، من علمانية الدولة العصرية وقوانين الإغتصاب القديمة فيها. الا ان خيطاً رفيعاً يفصل بين التعلم من التجربة التركية وبين الخضوع لها. وفي هذا الخيط الرفيع – بين التعلّم والخضوع – تُبنى الامبراطوريات.

لم يطلب احمد يوماً بأن تُربَط حياته بتركيا. لم يفكر يوماً حتى بزيارة تركيا. احمد هو احمد العربي وليس احمد داوود اوغلو. احمد، العاطل عن العمل، كان خاضعاً لتركيا ومسلسلاتها التلفزيونية، ومسرحياتها السياسية، براً وبحراً وجواً. الا أنه استطاع التحرر من “الامبراطورية” بعد أن وجد لنفسه وظيفة جديدة. وبنفس الطريقة، يتوقف حلم بناء امبراطوريات على الأرض العربية حين يتوقف العالم العربي عن تأدية  دور “العاطل عن العمل” الذي يقضي وقته بمشاهدة باقي الشعوب تتقدم. فإذا كان هناك في تركيا بضع “نساء حائرات”، ففي العرب ملايين من الشباب العاطلين عن العمل…والحاضرين للإنفجار.

2٬879 مشاهدة

رأي واحد على “بين أحمد العربي وأحمد داوود اوغلو”

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *