كأنه مشهد رسوم متحركة. يتسابق احمد ومريم على الرصيف وضحكتهم تشير الى ان في نهاية السباق جائزة يحاول كل منهما انتزاعها.
تشارط الاثنان على ان من يصل في المرتبة الثانية يدفع ثمن البوظة. ستكون هذه اول مرة يأكل الاثنان البوظة معاً منذ فصل الصيف الماضي. فقد تحول الطقس منذ بضعة ايام الى ربيعي. واختار الاثنان يوم الثلائاء، والذي يصادف يوم عطلة رسمية، ليكون يوماً طويلاً يقضيانه تحت اشعة الشمس.
فرض اسلوب حياتهما الجديد، الذي يُقسَّم في معظم ايام الاسبوع الى 9 ساعات عمل مملّة وثلاث ساعات من زحمة السير الجهنميّة، الى التلاقي في العُطل التي يسمح بها ربّ العمل. لقد شعر الاثنان منذ فترة بنوع من الملل والروتين في حياتهم. كما شعرا بأنهما يكبران في السن. والسبب ليس فقط مرور الايام والاشهر والسنين، بل أن اسلوب حياتهم يدلّ على بلادة وبطء في الحركة والتفكير. فاستغل الاثنان يوم العطلة هذا لكسر الروتين الذي كان مبنياً على تمضية الوقت مع باقي الاصدقاء ليلة الجمعة في احدى حانات بيروت الضيّقة. وكانت زوادتهم في هذا اليوم الطويل اشعة الشمس الدافئة بعض طول غياب.
وصل احمد اولاً الى محلّ البوظة ولحقته مريم بعد ان اقتنعت مستسلمة بأنها غير قادرة على الفوز في هذه اللعبة. جلس الاثنان على طاولة في الطابق الثاني من المحلّ ورائحة الاراكيل تفوح منه يساراً ويميناً: تفاحة، تفاحتين، نعنع، بطيخ، عنب وحتّى قشطة بليمون. قد يخيّل للزائر الجديد ان المحلّ هذا ليس لأكل كوكتيل الفواكه بل لتنشقها بالاركيلة. فقد تعدّى زبائن الاركيلة عدد طالبي العصير او البوظة.
يطلب احمد كوب بوظة مؤلف من 3 نكهات: فستق، شوكولا وفراولة. اما مريم، فتختار خلطة فواكه وكمية اضافية من البسكويت. يتبادل الاثنان اذيال الحديث وقد طغى على الجلسة سرد النكت وخاصة الجنسية منها الى ان وصل النادل وقد احضر كوبي البوظة. يبتسم الاثنان كالطفلين وهم يراقبان الكوبين يستقرّان على طاولتهما ثم يمسك احمد كوبه ويبدأ بتناول البوظة بالملعقة.
الا ان احمد يلاحظ امراً غريباً. مريم لم تلمس الكوب بعد مع انها معروفة بافتراسها المأكولات بسرعة فائقة، وإذ به يسألها: “ماذا تنتظرين؟ لِم لًم تبأدي بالاكل بعد؟ .” فتجيبه وهي تتأمل الكوب كالعاشقة: “لا اريد ان اخرّب هذا المنظر الجميل. انظر الى كريات البوظة الملوّنة. انه فعلاً عمل فنّي ومن حضّر لي هذا الكوب هو فنان حقيقي.”
يضع احمد الملعقة في يد مريم ويقول لها: “الشاب الذي حضّرهذا الكوب يكسب 600 الف ليرة شهرياً ويعتبر ما يقوم به نوعاً من العذاب وليس فنّاً. وعلى كل حال، منحوتتكِ الفنيّة ستذوب. كُليها واستيقظي من حلمك.”
تتناول مريم كوبها بعد ان انهى احمد كوبه وأشعل سيجارة. ثم تصل الى نصف الكوب وتتجمّد كالتمثال الجليدي. يقول احمد لها ضاحكاً:”ماذا الآن؟ هل تجمّد رأسك بسبب البوظة؟” واذ بمريم تهمس له:”ستافرو”. يجيب أحمد:”ماذا؟ لا افهم”. فتعيد نفس العبارة وهي تشير بيدها من تحت الطاولة: “انه ستافرو الرسّام الكاريكاتوري الشهير يا حمار!”
فيقول لها احمد: “آه، معكِ حق، كيف لم نلاحظ وجوده كل هذا الوقت.” ينكز احمد مريم بإصبعه ويقول لها “هيا قومي وسلّمي عليه، انت تحبينه.” فتجيبه بالنفي مبررة بأنها تشعر بالخجل ولا تعرف ماذا تقول له. فيقول لها “هيا تعالي معي. سيكون الامر مضحكاً. ابدأ انا بالكلام ثم تكملين من بعدي.” يقترب الاثنان من الرسام الكاريكاتوري وقد غطّى الشعر وجهه فيجدانه يرسم خطوطاً عشوائية على دفتر صغير.
يفكر احمد بالتراجع الّى ان مريم تدفعه ليصطدم بستافرو الجالس على الكرسي. “مرحباً انا احمد، هي مريم، نحب رسوماتك.” يرمي احمد كلماته بسرعة ويهمّ بالابتعاد. ولكن مريم تركله على رجله مجدداً فيضيف: “ومريم تحب الرسم والفنون بشكل عام ويهمّها ان تعطيها بعض النصائح كونك خبير وعتيق في مجالك”.
يتوقف ستافرو عن الرسم وينظر الى مريم وشعره مبعثر كالشخصيات الكرتونية، ويسأل:” لماذا تحبّين الرسم يا مريم؟” فتجيبه بخجل:”لأنني استطيع ان اظهر اشياءً اراها في مخيّلتي.” فيضيف احمد ممازحا:” قد تراها صغيرة الا ان مخيلتها واسعة ولا يستهان بها.”
فيجيب ستافرو: “عمّو شو بدّك بالرسم والفن وكل هالاكل الهوى. صار عمري 60 سنة. اقضي ساعات يومياً لأرسم عن السياسيين اللبنانيين وانا صراحة لا اهتم لأمرهم. ارسم ما لا احب ان ارسمه كي احصل على عقد عمل في جريدة او تلفاز. ومع ذلك لا ازال مديوناً لستة مصارف. هذه مصلحة لا تؤمّن لقمة العيش.”
تقاطعه مريم لتوضح بأنها تريد ان ترسم كهاوية وليس لكسب المال، طالبة منه ان يقدّم لها نصيحة، فيقول لها: “اذا هيك اوكي. تسلّي قد ما بدّك. اذا اردتيها هواية اي ان لا احد يمكنه ان يفرض عليك ان ترسمي حسب هواه. ارسمي ما شئتِ متى شئتِ ولا تكترثي لكلام الآخرين. ابحثي عن ما تريدينه فعلاً وما تحبينه. انظري الي…انتهيت من رسمي الكاريكاتوري السياسي اليومي. انه كالواجبات المدرسية. رسمت رسماً سياسياً لا يعنيني. اما الآن وكما ترين فأنا “اخربش” على الدفتر. انا اخربش في وجه كل من سبب لي الماً في حياتي. ان ترسمي هو ان تعبّري عن خيالك، صحيح. وان ترسمي، يعني ايضاً ان تغيّري واقعك بالقلم. اتمنى ان يفيدك كلامي.”
يساور مريم واحمد شعوراً غريباً داخلهما فيشكران ستافرو على وقته ويعودان الى طاولتهما.
تجلس مريم امام كوبها لتجد ان كريات البوظة التي احبّتها ذابت كليّاً. الا ان الكريات الثلاث الملونة تحوّلت الى لوحة مسطّحة من الالوان المتناغمة يفوق جمالها جمال الكريات المثلّجة. تفكّر لوهلة ثم تقول ببطء لأحمد:
“الجمال…
ازليّ مهما تغيّر شكله او طبيعته.
لا تتسرّع للحصول عليه،
عليك فقط ان تراه،
وان تثق بما تراه،
وبأنه سيبقى جميلاً،
طالما اردناه جميلاً…”
