حلّ يوم السبت 31 كانون الاول ولم “يركب” مشروع الشباب لمناسبة عيد رأس السنة. لم تنفع محاولات احمد الحثيثة الى اي اتفاق لجعل هذه الليلة ليلة لا تنسى بعيداً عن روتين التسكّع على حافة الحياة.
كلمة السرّ هي “استئجار سيارة”. كما تجري العادة في كل عام، يتسابق شباب المنطقة لاستئجار سيارة ليوم واحد. وكما يقول المثل الشعبي “هنيئاً لمن استأجر سيارة وفّيرة في المناسبات”. وبمناسبة هذا اليوم الطويل، ترفع مكاتب التأجير كلفة الايجار ليوم واحد من 25$ الى $40 دولار للـ”كيا بيكانتو” الوفّيرة. امّا بالوع البنزين “الأكس فايف” فلا مكان له الا في احلام الشباب.
إضافة الى الـ 40$ يتقاسم الاصدقاء الاربعة كلفة تنكتين بنزين يحرقونها بين قريتهم النائية في قضاء بعلبك والعاصمة بيروت. وإذا “توفّقوا” براكب خامس، فيحشرونه بينهم لتخفيف الكلفة “عالراس الواحد.”
يشرح أحمد، المجنّد حديثاً في الجيش، لسائق الفان ربيع كيف فشلت مجموعة الأربعة في خطّتها: “اخوك علي كان جزءاً لا يتجزّأ من المشروع. حسين لم يقبض معاشه حتى هذه الساعة. وأنا وصل معاشي باكرأ بـ 17 الشهر ولم يبقى منه سوى 20 الف ليرة لآخر الشهر القادم. ويقولون لك بداية عام سعيد… أمّا مهدي، فقال لنا انه سيبلغنا بقراره بالانضمام أو الانسحاب بعد قليل. كان ذلك منذ ثلاثة ايام ولم نسمع منه شيئأً منذ ذلك الحين. حقّاً انه المهدي المنتظر!”
يعلّق السائق ربيع متسائلاً:”وما كانت علّة أخي علي؟”
فيجيب احمد مديراً رأسه بإتجاه ربيع: “اخوك علي هو الاغنى بيننا. عرض ان يدفع ايجار السيارة والبنزين على ان نعيد له المال الشهر المقبل. قال انه يحمل 100 الف ليرة لا يزال يحتفظ بها من بيع نقلة الحطب الذي قطعه الشهر الماضي من الجرد وباعه للحاج سليمان. الا انه وحتى بوجود اخيك علي “المليونير” لم نستطع استئجار البيكانتو.”
ربيع: “لماذا؟ لا تتّسع البيكانتو لـ 4 بغال مثلكم؟”
احمد: “والله لو كانت علبة سردين لكنا استئجرناها لنتنقل في بيروت بحريّة. فتنشُّق مجرور المدينة افضل من الغرق في ملل هذه القرية وأمواتها. لا ترى احداً على الطريق هنا بعد الساعة الثامنة مساءً يا رجل. حتى القطط تهرب من ظلّها في الليل. صدقت فيروز عندما غنّت الليل مش للنوم اصل الليل للسهر.”
يركن ربيع الفان جانباً في صوفر ويستأذن من الركاب الستة الصامتين في الخلف ويسأل أحمد ما اذا كان يريد شيئاً من الدكان. فيجيبه احمد بالنفي. يعود ربيع حاملاً كيساً اسود داخله عبوتي “اكس اكس ال فودكا ميكس” وعلبتي دخان مرلبورو احمر. اعتاد ربيع على شراء دخان “الرويال” بـ 750 ليرة الا ان ليلة رأس السنة تستحق التمتّع بمذاق المرلبورو. يفتح ربيع عبوته ويمرّر الاخرى لأحمد الجالس الى جانبه ويشعلان سيجارتين وينطلق الفان بسرعة كي لا يتذمّر الركّاب.
يشرب احمد جرعة من العبوة ويرندح: “دقّ قوي الدق وعّي كل البشر، الليل مش للنوم اصل الليل للسهر…”
يقاطع ربيع رندحة احمد قائلا:”ايه، المهمّ، وقبلتم باقتراح اخي علي بدفع معظم التكاليف؟” يجيب احمد قائلاً:”كنا متردّدين في باديء الأمر. اذ اننا نعلم ان علي لا يعمل حالياً. كما اننا لا نريد ان نبدأ السنة الجديدة بديون تزيد الطين بلّة. والله اشتقنا للراس الفاضي من الهموم.”
ربيع:”وانتهت رحلة البحث عن مشروع لرأس السنة؟”
احمد مجيباً :”لا، جاييك بالحديث. تغلّبت الحماسة على العقل فينا. الشعور بأننا محرومون من فرحة صغيرة لليلة واحدة في هذا العمر الطويل دفعنا للموافقة على عرض علي وصعدنا معاً بفان الى زحلة نقصد مكتباً للتأجير هناك قد يسايرنا بالسعر.
وصلنا الى زحلة كالفاتحين الذين يحررون أرواحهم من قيود كبّلتهم 364 يوماً. تقدّم علي من الموظف وقال له اننا نريد استئجار سيارة بيكانتو لليلة الغد. وكانت اجابة الموظف:”حظكم جميل. هذه آخر سيارة لدي. ادفعوا وخذوها الآن”. لم يفاوض علي على السعر وطرح على الطاولة 60 الف ليرة بكل ما أوتيه من قوّة. فجاء الرد كالصفعة “الهوية ورخصة القيادة اذا أمكن”. ربما كان علينا التخطيط لهذا المشروع منذ عدة سنوات لنتمكن من جمع مبلغ 450 ألف ليرة للحصول على الرخصة.
نظرنا الى بعضنا لبضع ثوان كالمذهولين ليستعيد علي زمام المبادرة ويفرش جميع أوراقه المقنعة دفعة واحدة:”الرخصة غير متوفرة على عكس الخبرة. اقود منذ ثماني سنوات وأعمل منذ سنتين على فان أخي على خط بعلبك بيروت.” أوراق علي لم تكفي لإقناعه. فدخلتُ على خط التفاوض وطلبت من الموظف أن يسهّلها مضيفاً انني مجنّد في الجيش ولن تحصل أي متاعب اذا اوقفتنا حواجز الدرك.
نظر إلي الموظف و إرتسمت على وجهه بسمة ساخرة وقال: “شو مفكر حالك كولونيل، المجند متل العتال” وبقي على موقفه معيداً لعلي الـ 60 ألف.
خرجنا ليتمتم علي بحسرة: “60 ألف عمرك ما تقبل.” عدنا الى الضيعة كالعسكر المكسور دافنين في طريق العودة ما تبقّى من أحلام ساذجة وطفولية، نلعن البيكانتو وعموم شركات كوريا الجنوبية.
ربيع: “بسيطة يا شيخ، صحتكم بالدني. وماذا كان سيأتيكم من بيروت سوى الهمّ ووجع القلب مما سترونه من سيارات فخمة ونساء ووجوه الاغنياء الفاجرة؟”
يجيبه احمد وقد خفت صوته :” تأنينا فرصة تجربة ما نشاهده طوال الوقت على التلفزيون. بدي “عيش بيروت” من دون تلفزيون.”
يبدأ ربيع بتخفيف سرعة الفان نزولاً على أوتوستراد الحازمية ويلمح لافتة لبار وحيد على طرف الطريق. فيشير بإصبعه لي ويسأل أحمد : “ما رأيك بأن نقضي بعض الوقت هنا بعد أن نوصل الركاب الى جسر المطار؟”
ويردّ احمد متسائلاً:”وما هذا؟” يجيبه ربيع ضاحكاً:”هذا بار. نطلب زجاجة ويسكي وتأتي فتاتان لتهتما بنا…وفهمك كفاية.”
وما اسم المحلّ يضيف احمد. فيجيب ربيع: “l’enfer…أي الجحيم”. يضحك احمد ويقول:”موافق. لن نهرب من هذه الدنيا إلا إذا ذهبنا الى الجحيم.”
