ديستوبيا في ديستوبيا

يقود أحمد دراجته النارية بحثاً عن “مركز الكأس المقدسة”. سيتم عرض مسرحية صديقه هناك مجدداً لجمع التبرعات لـ”قضية إنسانية”. “الفن في خدمة اﻹنسان”؟ . وافق أحمد على الحضور بعد دعوات متتالية في مناسبات سابقة حتى لم يعد يجد حججاً جديدة للتغيب. بلغت الساعة 8.30 مساءً وقد يبدأ العرض في أي لحظة. يتفقد أحمد المناطق الصناعية المحيطة بسوق اﻷحد ونهر بيروت الهادر بالروائح الكريهة. فصديقه قال له أن المسرح يقع في ضاحية سن الفيل البيروتية بالقرب من سوق اﻷحد. يقع اختياره أخيراً على الطريق اﻷكثر ظلاماً على الضفة اليمنى لنهر بيروت. على مسافة دقيقة من القيادة على الدراجة، يلاحظ أحمد تجمعاً من 4 أشخاص في باحة خالية من السيارات، يتوسطها مستودع لا يظهر عليه الطابع “الثقافي” أو “المسرحي”. لكن حدسه يقول له أن المسرحية ستُعرض هنا، فلا أحد يقترب من هذه المنطقة بعد غروب الشمس إلا بحثاً عن النشوات الممنوعة. يترجل أحمد عن دراجته وينظر من حوله في الظلام. هنغارات ومستودعات مغلقة في كل اﻹتجاهات، وأبراج فاخرة قيد اﻹنشاء تتوزع هنا وهناك.

يلقي أحمد التحية على صديقه (الممثل) وآخرين ويلاحظ، إضافة الى الـ6 أشخاص المتواجدين داخل الصالة، أن الحضور لن يتعدى ال 10 أشخاص. إلا أن اﻷعداد القليلة لن تمنع عرض المسرحية.

تبدأ المسرحية (المونولوغ) ويظهر صديقي، البطل، الممثل الوحيد في مسرحية تمتد لساعة كاملة على مسرح متواضع. يطلب من الجمهور (10 اشخاص) عدم استخدام الهواتف الذكية والجلوس على مقاعد أقرب من خشبة المسرح حتى يشعر أنه ليس وحيداً. الوحدة هي موضوع المسرحية اﻷول واللغز والمفتاح. والوحدة هي قصة هذا الشخص (البطل) الذي وُلد ووُضع مباشرة بعد ولادته في غرفة لا يخرج منها. وهو لا يعرف شيئاً عن العالم الخارجي، بل لا علم له بوجوده. يصنع ويقرأ ما يطُلب منه فقط لا غير. يحصل على وجبته اليومية عبر فتحة في الباب ويتحدث مع أحجار الشطرنج التي يصنعها يومياً.

الوحدة التي يعيشها هذا الشخص في غرفته (عالمه) هي حسب تعبيره نقيض العالم اﻷول الذي عاش فيه ل 9 أشهر. فقبل ولادته، كان يعيش في رحم أمه ويسمع دقات قلبها ويستأنس بها. دقات كانت تبعث في روحه الطمأنينة. إلا أن اﻷشهر التسعة انتهت، وحان وقت العذابات اﻷولى: آلام وصدمة الولادة ستكون التشكيل اﻷول في البنية النفسية للإنسان.

ومع انقضاء فترة الطمأنينة، يولد فيه القلق الدائم والخوف الذي يطوف على السطح من حين الى آخر. وكلما راودت بطلنا هذه المشاعر وارتجفت يداه، يرفع السماعة ليتصل بمن وضعه في هذه الغرفة ويطلب اﻷذن ليأخذ حبة مهدئ. يتناول حبة كي تغرق هذه المشاعر المزعجة في القعر مجدداً، وكالمعتاد، يعود الى صنع أحجار الشطرنج.

في هذه المسرحية، يحمل الهاتف الموجود في الغرفة صفة المقدس الذي يجيب على تساؤلاتنا ويخفف من وطأة مخاوفنا. وكلما حاول هذا الشخص التمرد على الهاتف، يضطر الى تلاوة صلاة التوبة: “أؤمن بهاتف واحد ضابط الكل”. وإن لم يخضع الشخص بعد الصلاة، يُجبَر على ضرب نفسه (جلد الذات) بعصا خشبية موجودة في الغرفة أيضاً.

وفي المقلب الثاني من المسرح، 6 أشخاص لا ينفكون عن استخدام الهاتف للدرشة أو مشاهدة الصور. فرغم حضورهم لمشاهدة العرض المسرحي، الا أنهم يسيرون لا إرادياً نحو استخدام الهاتف… “هاتف واحد ضابط الكل” كما في المسرحية. صديقنا طلب منهم عدم استخدامه، ولكنه لم يهددهم بالعصا. لم يهددهم باﻷلم.

يشعر أحمد أن “الديستوبيا” التي يعيشها البطل على خشبة المسرح هي مرآة لما يشاهده بين الحضور. لو أنهم يعلمون أن هذه المسرحية تتحدث عنهم. وأن أسيادهم عزلوهم. فكل واحد منهم في عزلة طوعية، وهاتف ذكي، ووظيفة، ومهدئات من شتى اﻷنواع. وعصا تعاقبهم بأساليب متنوعة متى حاولوا التمرد.

تنتهي المسرحية بتمرد صديقنا وخروجه من الغرفة ومن الوحدة، ليلاقي آخرين اعتقدوا مثله أنهم وحدهم في هذا العالم. أما باقي الحاضرين في المسرح، فخرجوا من المستودع وعيونهم في هاتفهم الذكي – ضابط الكل. لو أنهم شاهدوا المسرحية، لعَلِموا كيف يتحررون، ولكنهم لا يريدون.

يغادر أحمد المستودع ويركب دراجته ليقضي ما تبقى من الليل وهو يطوف في شوارع العاصمة على دراجته النارية. فهو قلق وتائه في عزلته أيضاً، يبحث عن باب يُخرجه من عُزلته، لتبدأ رحلته.

1٬556 مشاهدة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *